النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10694 الجمعة 20 يوليو 2018 الموافق 7 ذو القعدة 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:30AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:31PM
  • العشاء
    8:01PM

كتاب الايام

هويتنا ولغتنا العربية: هل تضيع مثل قضايانا؟؟

رابط مختصر
العدد 10481 الثلاثاء 19 ديسمبر 2017 الموافق غرة ربيع الآخر 1439

لم يعد غريبًا الاعتماد على عالم السوشيال ميديا في قضايانا الراهنة كافة، سواء المحلية أو العربية أو الدولية، فتلك الميديا المجانية قلبت العالم رأسًا على عقب، ولم يعد هناك أي حادث يمر مرور الكرام، حتى أن الحكومات أصبحت تعمل حسابًا شديدًا لهذا العالم المنفتح، بل وتترقب الحكومات ردود فعله قبل اتخاذ أي قرار وبعده. مناسبة هذا الكلام هو قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها من مقرها الحالي في (تل أبيب)، وهو القرار الصادم للعالمين العربي والإسلامي، وكل المجتمع الدولي لو شئنا الدقة، فالقرار لم يسعد سوى إسرائيل، مع أن أضرارًا كثيرة ستلحق بالدولة العبرية من جراء هذا القرار الأمريكي المنفرد المخالف لجميع الأعراف والمواثيق والقرارات والاتفاقيات الدولية ذات الصلة. 

 

ومن بين آلاف (البوستات) التي تناولتها السوشيال ميديا تعقيبًا وتعليقًا على قرار ترامب، أذهلني مقطع مرئي لمواطنة سورية يبدو أنها غير مسلمة، ولكنها غيورة على القدس أكثر من معظم المسلمين أنفسهم، وقد بدت الفتاة في غاية القسوة والحدة وهي تتحدث عن حالنا الراهن، وتساءلت أكثر من مرة: «لماذا نكتفي عربًا بالحديث عن أمجادنا وفتوحاتنا الإسلامية وانتصارات صلاح الدين الأيوبي؟»، ثم تتحسر على هؤلاء العرب الذين يتحدثون كثيرًا عن الشرف وهم بعيدون عنه تمامًا، وتواصل: «ما هي إنجازاتكم الحالية؟ ما هي حضارتكم الحالية؟ ماذا فعلتم وأنجزتم حاليًا من أجل البشرية؟». الفتاة لم تنتظر الإجابة من أحد؛ لأنها السائل والمجيب في آن، فكان ردها على سؤالها الأخير: «صفرًا»، أي لا إنجازات عربية؛ لأن العربي هو آخر «مكون بشري» يحق له الحديث اليوم عن الإنجاز؛ «لأن العرب قوم أقوال وليس أفعال، والعرب يتفوقون في رفع شعار (الهتافات أولاً) ومنها (إننا أهل شرف)».

 

المقطع الذي أتحدث عنه صادم في أجزاء منه، ولعلي أقتطع جزءًا كبيرًا أشارت فيه الفتاة الى أن العرب يتحدثون عن الشرف وهم يعلمون جيدًا أن بناتهم يتم اغتصابهن في بعض الأماكن، ولكنهم يتمسكون بالشرف والدفاع عن الفضيلة، ثم تتطرق الفتاة الى قرار ترامب الأخير وتحكي إدانات وشجب العرب بلا استثناء، دون الكشف أو الحديث عمّا هو المطلوب منهم أو ما هو قرارهم المتوقع إعلانه ردا على عجرفة واشنطن وإهانتهم إهانة بالغة، مع أن ترامب لم يفاجئهم بالقرار؛ لأنه أعلنه إبان حملته الانتخابية، ومن ثم ما أعلنه الرئيس الأمريكي هو تنفيذ لوعوده لإسرائيل التي لم يتخل عنها. 

 

لم يتوقف هجوم الفتاة السورية على الحكومات، فقد طال الشعوب أيضا واتهمتها بأنها شعوب تفضل النوم طوال اليوم بدلا من العمل والانتاج، كما أشارت في إطار هجومها الشديد على الحكومات والشعوب الى ما فعله أرئيل شارون رئيس وزراء إسرائيل الأسبق عندما اقتحم المسجد الأقصى ولم ينفعل سوى الفلسطينيين داخل وطنهم المحتل. ويشتد الهجوم مع الدقائق الأخيرة لمقطع الفيديو، إذ تسخر من شعارات «المجد للعرب» و«العروبة» التي تراها زائفة، والعيش في الماضي، ولا تنسى الفتاة السخرية أيضا من شعار «القومية العربية» و«القوميون العرب»، ثم تحذر الجيل الحالي من اللهو؛ لأن أمريكا وإسرائيل لن يكتفيا بكل ما أخذوه وسلبوه من العرب، فالآتي أقسى وأصعب.

 

 يبدو أن الوضع أصعب مما نتخيل أو نتوقع حقا، رغم الاجتماع العاجل لوزراء الخارجية العرب وقرارهم رفض ما أعلنه ترامب، وكذلك مواقف معظم الحكومات العربية والإسلامية والبرلمان العربي، ويظل السؤال: «هل الاحتجاجات ضد قرار ترامب تعد زوبعة في فنجان وتمر كما مرت سابقاتها من العواصف؟». تساؤلاتي تتداخل من كثرتها، فماذا سنفعل ضد القرار الأمريكي؟ فنحن بحاجة ماسة الى وقفة بطولية، ولكن أين الأبطال؟! فالقرار الأمريكي لن يكون الأخير؛ لأنه اعتراف بما أُعلن منذ عام 1995، فنحن بحاجة حقا الى قائد يتمتع بشخصية (كاريزمية) يتجمع كل العرب حوله، مثلما كان الحال أيام الزعيم خالد الذكر جمال عبدالناصر، ولعلي اتساءل أيضا: «هل عجزت أمتنا العربية عن انجاب بطل وزعيم آخر؟». 

 

وقد أتفق مع كل ما ذكرته الفتاة في المقطع المرئي الذي أشرت إليه في البداية، فالقضية الفلسطينية -وهي القضية الرئيسة للعرب- ضاعت بسبب ضعف العرب وتشرذمهم وتسويفهم للحلول الجذرية، واتهام بعضهم بعضًا بالخيانة والتآمر. لقد ضاعت القضية الأهم لدينا، وستضيع قضايا أخرى، لماذا؟ لأننا أصبحنا نهتم بالمذهب والطائفة أكثر، فالمسلم خرج منه المتطرف والإرهابي والمتشدد؛ السني والشيعي، مع أن إسلامنا واحد، ولكننا تفرقنا شيعا وقبائل متناحرة، لينقلب حالنا الى صراع مذهبي وطائفي، وقد أشير هنا الى مخاوفي من أن تضيع لغتنا في خضم كل هذه المعارك، ليس اللغة فقط، بل هويتنا أيضا، فقد أصبحنا على أعتاب مرحلة صعبة ومؤلمة جدا.

 

 لقد تهكمت الفتاة السورية على الذين يفتخرون بأبطال الماضي والتاريخ، ولكني أختلف معها في هذه النقطة؛ لأن الماضي ليس وحده الذي يستحق أن نفتخر به، فأمامنا حرب أكتوبر التي حقق فيها المصريون انتصارا كبيرا، وكان بجانب الانتصار العسكري انتصارا آخر أصحابه أهل وقادة منطقة الخليج، ممثلين في قرار الملك فيصل عاهل السعودية بقطع الإمدادات النفطية عن الدول التي تناصر إسرائيل على حساب العرب وتمدها بالسلاح، فكان القرار الأبرز في إطار المقاطعة العربية حتى يومنا هذا، وسيظل العالم يتذكر القرار وآثاره السلبية على أوروبا والولايات المتحدة. لم يكن قطع النفط عن الغرب وأمريكا هو القرار الأصعب لدى الخليج، بل الأصعب هو تنفيذه وعدم الرضوخ لجميع التهديدات التي تعرضت لها الدول الخليجية، إذ كان هناك قرار شجاع صدر من قائد شجاع لم يخش في الحق لومة لائم.

 

 وربما أختلف مع الفتاة السورية بعض الشيء، إذ يبدو أنها لم تطالع المواقف العربية والخليجية الحقيقية كافة، ولن أتحدث عن حكومات، ولكني أشير الى مواقف قيادات دينية بارزة فقط، مثلما أعلن شيخ الأزهر والأنبار، وتواضروس بطريرك الأقباط في مصر، عدم مقابلة نائب الرئيس الأمريكي خلال زيارته المقبلة لبلادهم والمنطقة، وغيرها من المواقف التي غابت ربما عن البعض في غمرة الحدث المؤلم وتبعاته الصعبة على فلسطين والعرب عموما. غير أن ثمة مواقف غربية يجب الإشارة إليها والإشادة بها في الوقت نفسه، مثل الاتحاد الأوروبي بصفة عامة، ثم قرارات الدول الأبرز به، مثل ألمانيا وفرنسا وغيرهما التي رفضت القرار الأمريكي وأعلنت التمسك بقرارات الشرعية الدولية الخاصة بالصراع العربي-الإسرائيلي، ولم تكن كندا بعيدة عن هؤلاء، إذ اتفقت مع الموقف الأوروبي. ومن جملة المواقف الشجاعة، ما أعلنه رئيس كوريا الشمالية الذي تهكم على القرار وصاحبه،

 

وهو ما يجعلنا نوجه سؤالا مهما وكبيرا إلى الجماعات التكفيرية والإرهابية والمتشددة والمذهبية والطائفية كافة: «أين أنتم من القرار؟ ولماذا تتركون أمريكا وإسرائيل تتلاعبان بمصيرالقضية الفلسطينية؟ ألم تستحق القدس -وهي من أقدس المقدسات الإسلامية- اهتمامكم ورعايتكم والعمل على نصرتها وتحريرها من الاحتلال الصهيوني؟». ويجرنا هذا الكلام إلى توجيه نداء الى قائد الثورة الإسلامية في إيران، إذ أعلن ترامب القدس عاصمة للدولة الصهيونية، ألم يستدع هذا القرار تحريك الجيوش والصواريخ الإيرانية لنصرة القدس؟ فكم نادى المرشد الأعلى بأعلى صوته بهذا وهدد بسحق إسرائيل، والنداء يمتد بالمناسبة الى جماعة حزب الله، تلك الجماعة التي تناصر الجيش الإيراني في كل تصرفاته وتقف بجانبه في سوريا والعراق، أليس من الواجب مشاركة حزب الله والجيش الإيراني في معركة تحرير الأقصى بدلا من القتل في المواطنين العرب وطعن دول الخليج والشعوب العربية المشردة في سوريا والعراق؟! ألم يحن الوقت للجيش الإيراني وأزلامه في حزب الله لإظهار رجولتهم وشجاعتهم العسكرية والقتالية وخبراتهم في المواقع الحربية كافة ولو ليوم واحد فقط؟!

 

وهل اتخذت إيران المناضلة وحزب الله الذي يدعي أنه زعيم المقاومة موقف دينا باول مستشارة ترامب التي ضحت بمنصبها في البيت الأبيض وقدمت استقالتها ردا على القرار في خطوة لا يقدم عليها سوى الأقوياء؟ أدرك جيدا أن تساؤلاتي ستذهب سدى؛ لأنها لن تجد أي صدى لها أو إجابة لدى الدول التي تزعم الدفاع عن المظلومين في العالم. 

 

اجمالا، نعلم أننا ظلمنا القدس والقضية الفلسطينية بابتعادنا عنها بسبب خيبات ما سموه بـ«الربيع العربي» في المنطقة، ولكنها ستعود الى واجهة الأحداث ومقدمتها، فزهرة المدائن ستظل عربية وإسلامية وفلسطينية، ولكن يبقى هاجسي وتساؤلي: «هل ستضيع هويتنا ولغتنا العربية في خضم ما يجري حولنا من أحداث؟»، مجرد جرس إنذار للتنبيه!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا