x
x
  
العدد 10453 الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 الموافق 3 ربيع الأول 1439
Al Ayam

مقالات - قضايا

العدد 10418 الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 الموافق 27 محرم 1439
 
 

تابعت قبل مدة ولا زلت أتابع موضوع المرسوم الملكي في المملكة العربية السعودية بخصوص منح رخصة السياقة للمرأة، والذي سيكون ساري المفعول والتطبيق من يونيو 2018، فقد احدث هذا المرسوم التاريخي الاستثنائي ردود فعل متفاوتة، بل ونتج عنه عند الكثيرات من النساء السعوديات اشبه ( بالصدمة) العاطفية وهي صدمة ايجابية نتيجة الفرح البالغ والغامر في الوسط العائلي والاجتماعي سواء في النخب ام في قاعدة المجتمع السعودي، وبالذات وسط الشابات والشباب، دون ان تترك تلك الصدمة اثارا اخرى معاكسة وسط القطاعات المجتمعية المحافظة والتقليدية، بل والاكثر تطرفا وتشددا تلك الجماعات السلفية. ذلك الخبر الصدمة بالضرورة - وكل حدث تاريخي - يخلق منعطفا وتحولا في قيم المجتمع، له تداعيات متضاربة ومتناقضة من حيث ردود الافعال، نستطيع ان نوجزها بثلاثة اساسية؛ مع المرسوم وضد المرسوم بشكل مطلق فيما هناك بين النقيضين من ردود الافعال موقف ثالث متردد ومحتار وخجل، فهو مع مقولة «مع المرسوم ولكن ؟! وضد المرسوم ولكن» وهؤلاء لا ينبغي استسهال اهميتهم كونهم شريحة واسعة متذبذبة وكونها لا ترى إلا الجزء البسيط والضيق من الغابة متناسية، أهمية الافق الواسع والمدى البعيد لضرورة ذلك المرسوم التاريخي وصيرورته. لن نتوقف عند المجموعة الاولى التي فرحها كان متناهيا حد البكاء باستقبالهم للمرسوم، فقد فاض نهر تلك العاطفة داخل تلك الاسوار المغلقة، وشعر به الرجال داخل نساء عائلاتهن، هؤلاء هم الوجه الاخر من قطبي الصراع فيما القطب الاخر الاكثر ظلامية وتحجرا وتسويغا فجا لرفضهم خطورة سياقة المرأة للسيارة، فإنهم اليوم يخشون من التعبير الصريح الواضح، فلا وقت لا للاعلام الرسمي ولا للسلطات في التهاون مع من يريد وضع عصا عرقلة التغيير في عجلة المملكة التي تستعد من شهور لتحضيرات كثيرة تصب في جوهر واساسيات مشروعها الاصلاحي التدريجي. في القطب الاخر من الصراع هناك يقف تيار جذوره كامنة وظاهرة قد تيبست جذوعها في تربة المملكة، ولن ترى او تقبل بأي نوع من التغييرات التي تمس «القوارير» فخروج القوارير من ربقة المؤسسة الدينية في الشؤون الصغيرة أو الكبيرة يسحب البساط من تحت تيار تجذرت خيوطه داخل المجتمع السعودي من اقصاه الى اقصاه. كان صوت السخرية والاستنكار والرفض واضحا من ذلك التيار الظلامي لمسناه في وسائل التواصل الاجتماعي، فكان على هذا التيار المتواري داخل الجحور استغلال انفعالات الشباب التقليدي المحافظ، بل ولا بأس بتحريك شباب لا زال من ضمن «الخلايا النائمة» وتعمل بجد واجتهاد التقاط انفاسها من خلال وسائل التواصل الاجتماعي كجنود الله في الارض. كان على الجانب المنظم والمؤمن بالرفض المطلق ان يلعب ويتحرك بين المساحات الممكنة والضيقة لتأجيج وتحريض عناصره والمجتمع ازاء مرسوم كاد يكون كالقنبلة النووية التي اخترقت ادمغة تاريخية متصلبة، خاصة اذا ما كان متعلقا بالمرأة. تقوم قيامتهم ولن تقعد فتلك حالة من الثورة والثورة الثقافية المضادة بين من يريد التقدم والتطور وبين من يريد ان يظل في الوراء ويخاف من التغيير ويرفض التحولات الايجابية، والتي تمس حقوق «نصف المجتمع». من ربطوا موضوع رخصة السياقة للمرأة كمفهوم ضيق، فإنهم لم يدركوا ويربطوا تلك الرخصة بمساحة اوسع متعلقة بمسألة اساسية هي حقوق المرأة السعودية الواسعة والمتنوعة. ومن رأى مجريات الاحداث بمعزل عن حزمة الاجراءات والتحولات في السعودية، فهؤلاء لم يسعهم ويسعفهم افقهم الضيق من رؤية الحقيقة، بل ويحاولون تعطيل ما هو ابعد واعمق من رخصة سياقة المرأة والتي باتت تحصيل حاصل اليوم داخل المملكة ولا يبدو ان هناك رجعة عن ذلك. المعركة لم تبدأ بعد، وانما لتوها انطلقت بعد ان كانت لعقود تختمر وتنضج من خلال تلك الاحتجاجات النسوية والمجتمعية تدعو لاهمية التغيير ومواكبة العصر، فالمملكة اليوم قوة مهمة في خارطة الاقليم والعالم، وعليها تقع مسؤولية التحديث المستمر الدائم كجزء من رؤية 2030 وهي رؤية تنسجم مع الالفية الثالثة وهي في عقدها الثاني. الصراع لن يختفي فالثورة المضادة ( في الثقافة والقيم) لن تستسلم، فلديها اوراقها الكامنة في مؤسسات الدولة، فالبيروقراطية من اصعب الخصوم في تلك الحرب الخفية، لأنها تتحرك خلف الورق وفي اروقة الظلام. لقد بات مرسوم رخصة سياقة المرأة بما يحققه من مكاسب وانجازات اقتصادية ومهنية ومجتمعية، فإنه في الجانب الآخر سيغلق ملفا حقوقيا لطالما عزفت على اوتاره منظمات دولية خارجية تحت حجج وذرائع كثيرة. رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة، وعلى المملكة واجهزتها اعادة النظر في كل المؤسسات القديمة المعطلة ( بكسر الميم) والشكلية، واستبدالها بدماء ووجوه جديدة فاعلة يهمها تقدم وتطور المملكة الحقيقي. معركة التغيير الكبيرة اليوم في المملكة تمس بنية المجتمع، والوعي المجتمعي عليه اليقظة لاخطر سلاح يستخدمه في التضليل والسخرية والترهيب تيار رفض المرسوم علانية وخفية، بجلوسهم خلف مقاعدهم بتوظيف كل ما يمكنهم استعماله من وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت سلطة اعلامية جديدة للصحافة الشعبية. لذا فإن «موضوعة المرأة» ابعد من مسألة رخصة السياقة وأعمق من ضيق الافق السائد.


زائر
عدد الأحرف المتبقية
   =   

تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة
  إقرأ في عدد اليوم
  الأيام "واتساب"

المواضيع الأكثر قراءة

هل تؤيّد ما ذهبت له دراسة حديثة بأن انتاجية الموظّف البحريني 42 دقيقة فقط في «اليوم الواحد»؟