النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10760 الإثنين 24 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

لمحات من تحمّل المشاقّ لنيل المراد

رابط مختصر
العدد 10747 الثلاثاء 11 سبتمبر 2018 الموافق 1 محرم 1439
مع بداية العام الدّراسي الجديد واستعداد المدارس والجامعات لاستقبال الطّلاب بكلّ حبّ وتفاؤل وتفانٍ ودّدت أن يناسب المقال هذا الحدث العظيم الذي يهدف إلى تربية الأجيال، وإعداد قادة تخدم الأمّة، وتبني الأوطان، فإنّنا في حاجة إلى استنهاض الهمم لاستقبال العام بكلّ همّة ونشاط، وفي هذا المقال لمحات من صبر الأئمة والفقهاء على مشاقّ العلم، فإنّ إمعان النّظر في سير هؤلاء العلماء الأجلاء لهو حافز إلى جميع المربين، والطّلاب على: تجديد النّوايا، والإخلاص في طلب العلم، فإن وجدت الرّغبة، والهمّة العالية، مع الإرادة والعزيمة في طلب العلم، تسامى الهدف، وعلت الغاية، فصار هدفه التّفوّق، وعنوانه التّميّز، وموضوعه الإتقان، ولأخذه الانشغال بالعلم عن ملهيات الحياة كلّها، فتذلّلت أمامه المستحيلات، وانحنى الكون بأسره، ممهدًا له طريق العلم والعلياء.
ولا يأتي ذلك بالرّاحة والرّفاهيّة والفراغ، فلابد من تقديم التّضحيات، وبعض التّنازلات في سبيل الحصول عليه، فقد تكون في الوقت، أو المال، أو في كلّ ما ترغب فيه النّفس وتهواه، ولذلك قيل: «أن العلم لا يعطيك بعضه حتّى تعطيه كلّك». وهذه لمحات من أغرب ما سمعت، ومن أعجب ما قرأت عن مدى تحمّل المشاقّ في سبيل نيل المراد، اقتطفتها من كتاب (صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتّحصيل)، للشّيخ عبدالرّحمن أبو غدّة رحمه الله. فمن أخبار التّعب والنّصب والرّحلة في طلب العلم وقطع المسافات، يخبرنا الرّواة بأنّ الإمام الجليل، الحسن البصريّ رحمه الله، قد رحل من أجل حرف -أي كلمة واحدة فقط!-، كما ينقل لنا المؤلف قول التّابعي سعيد بن المسيّب رحمه الله: «كنت أرحل الأيّام واللّيالي في طلب الحديث الواحد»، وأضيف على تلك الأخبار الّتي تبيّن علو الهمّة، وبذل السّبل والغايات لنيل العلم والمراد، قول الشّعبي: «ما أروي شيئًا أقل من الشّعر، ولو شئتُ لأنشدتكم شهرًا لا أعيد»، وهذا يدل على مدى اطلاعه، ومعرفته بالشّعر، وقوة حفظه، وتمكّنه من قول الشّعر، لمدّة شهر كامل، من دون أن يكرر بيتًا فيه!، ولذلك عندما قيل للشّعبي من أين لك هذا العلم كلّه؟، قال: «بنفي الاعتماد، والسّير في البلاد، وصبر كصبر الحمار، وبكور كبكور الغراب»، وكان يعني بنفي الاعتماد، بأنّه لا يعتمد إلّا على نفسه في طلبه، وكذلك قصد بصبر الحمار، بأنّه أصبح لشدّة حبّه للعلم، وإخلاصه في طلبه، كثير السّفر، لا يفقده أحد، ولا يهتمّ فيه أحد!.
هكذا كان العلم لدى علماء الأمّة وفقهائها، أعزّ حبيب، وأغلى صديق، وأثمن غال، فيهون عليهم فقدان أي شيء في سبيل الحصول عليه، ومن غريب ما ذكر، أن أصابع رجل إمام علوم العربيّة الزّمخشري قد سقطت؛ نتيجة البرد الشّديد، والثّلج الكثير في رحلته إلى خوارزم، من دون أن يشعر!. فإنّ العلم «لا يستطاع براحة الجسد»، فقد ذكر المؤلف في أخبار هجر النّوم، والرّاحة، وسائر اللّذائذ، خبر التّابعي الفقيه، عطاء بن أبي رباح، وذلك بأنّ المسجد كان فراشه لمدّة عشرين سنة!، ومن عجيب ما ذكر من الأخبار، خبر القاضي الفقيه عبدالله بن أبي شبرمة، أنّه كان يتذاكر الفقه مع أصحابه باللّيل ولم يفرّق بينهم إلّا أذان الصّبح!
هكذا يكون الحال عندما يتجسد الحبّ والرّغبة في طلب العلم واقعًا مصورًا، فلا يكون البذل إلا عندما يدرك المرء عظم المطلوب وقيمته، فلا يشغله شاغل، ولا يلهيه شيء عن تحقيق مراده، وعندما يعلو الهدف فلا تسأل عن السّبب، ولهذا فلا غرابة من قول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: «أنا أطلب العلم إلى أن أدخل القبر»، فلسان حاله يقول: من المحبرة إلى المقبرة، ومن الأخبار الّتي ذكرت، خبر يحكي حال الإمام البخاري الذي كان يستيقظ في اللّيلة الواحدة من نومه، لما يقارب عشرين مرّة، يوقد فيها السّراج؛ ليكتب فائدة تمرّ بخاطره ثمّ يطفئ السّراج، ثمّ يقوم مرّة أخرى، وهكذا!. كما كان الصّبر على الفقر ومرارته شعار العلماء، ودثارهم على الغالب، فقد أنهض تلامذة الخليل بن أحمد الفراهيدي، ما قاله النّضر بن شُمَيل: «لا يجد الرّجلُ لذّة العلم حتّى يجوع وينسى جوعه»! وأضيف على ذلك ما أورده المؤلف من خبر عن ابن الجوزي -رحمه الله- في صباه، أنّه كان يخرج في طلب العلم، ويحمل معه أرغفة يابسة لا يستطيع أكلها إلّا عند الماء؛ لصعوبة تناولها وهضمها!.
وفي الختام تتنوّع الأخبار، ويبقى الهدف وهو حبّ العلم، والرّغبة في طلبه موحدًا لجميع هذه الأخبار، وصدق ابن الرّومي عندما قال: «لولا عجائب صنع الله ما نبتت... تلك الفضائل في لحم ولا عَصَب»، فجزى الله هؤلاء العلماء الأجلاء عنّا خيرًا، فهم الذين آثروا التّعب على الرّاحة، وتوسدوا المصاعب والمشاقّ، في سبيل نقل العلم الصّحيح، والتّثبت من صحة السّند والرّواية، وعندما أخلصوا لله العمل، خلّد الله أسماءهم خلود الآبدين، «فبهداهم اقتد».
] إسراء جناحي

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا