النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10478 السبت 16 ديسمبر 2017 الموافق 28 ربيع الأول 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    2:29PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

زنزانة العبودية الفكرية

رابط مختصر
العدد 10469 الخميس 7 ديسمبر 2017 الموافق 19 ربيع الأول 1439
يقول عالم النفس السويسري كارل يونغ «ان قدرة المرء على الوعي فقط تجعل منه إنسانا». حيث إننا نعيش تحت وطأة الكثير من الأفكار والمعتقدات المنتشرة في مجتمعنا، والتي تسيطر على تفكيرنا وتغلف سلوكياتنا بطابع تقليدي بحت. ليس هذا فحسب، وإنما قد يمتد ذلك الى أن نصبح عبيدًا لكل تلك الافكار العقيمة التي لا مجال لها من الصحة، والتي تساهم بشكل كبير في الحد من الإبداع والتطور للفرد والمجتمع.

والعبودية الفكرية هي من أشد أنواع العبوديات خطرًا على الانسان نفسه وعلى تقدم وتطور المجتمعات بشكل عام، فهي التبعية الفكرية للآخر دون تفكر وتدبر، حيث يكون الانسان تابعًا لغيره فكريًا، مسلوب الإرادة والتفكير، فنجده غير قادر على الاستقلالية في صياغة أفكاره وأفعاله، ولايستطيع استعمال عقله ليحكم بموضوعية على ما يدور حوله من أحداث.
ولعل أحد أهم أنواع العبودية الفكرية الهادمة للنفس، هي عبودية «ماذا يفكر الناس الآخرون عني» لو فعلت كذا، لو فكرت بطريقة مختلفة عنهم؟ اتجاه اي موضوع يطرحه زميلي أو جاري أو اقربائي؟ لن أتكلم في اجتماع مجلس أولياء الامور في المدرسة، لأني قد لا أجيد التحدث.. ماذا سيقولون عني؟ سيضحكون مني؟ لن أرتدي هذا الفستان مرة أخرى، ماذا ستقول عني الأخريات.. الأمر الذي يدفعنا للتفكير دومًا بأسلوب الآخرين لنكون نسخة منهم نأكل ونشرب ونلبس ونفكر كما يريد الآخرون فقط، وبالتالي نصل لمرحلة التقليد الأعمى، ثم العبودية المطلقة لتفكير الآخرين، ما يهدم كل ذرات الابداع في داخلنا ويتلف قدرتنا على التميز والنجاح. يقول اليخاندرو جودوركسي ان «الطيور التي تولد في القفص تعتقد أن الطيران جريمة».
أما النوع الثاني من العبودية فهو عبودية «لا أستطيع» أو «أنا متأكد من الفشل» حيث يؤهم الانسان نفسه بأنه سيفشل في أي شيء يقدم عليه، فيتحدث مع نفسه بسلبية ويقول مثلًا «لا أستطيع ترك التدخين» أو «لن أفقد الوزن المطلوب مهما اتبعت اي نوع من أنواع الحمية» أو «حتمًا لن أنجح في الامتحان مهما درست». فالحديث السلبي مع النفس له أثر كبير على تقدم الانسان، فالكلام ليس الا تفكير لفظي وسلوكي يعبر عنك. يقول جون راسكين «ان افكارك تجلب إليك قوى من الخارج من نفس النوع الذي تخزنه في نفسك»، فطالما ان عقل الانسان يقبل فكرة ما، فإنه سيبدأ في تنفيذها بشكل مباشر فينعكس على سلوك الانسان، فمثلًا لو فكرت في الخير والسعادة والصحة الجيدة فسوف تتدفق لك كل هذه الامور، واذا فكرت في الشر والمرض والفشل فسوف تكون فريسة لكل هذه الافكار السلبية.
اما النوع الثالث من أنواع العبودية والاكثر انتشارًا في مجتمعنا هو «عبودية الوقت والعمر» حيث إننا نتبع الآخرين ونقنع أنفسنا بأننا لا نستطيع الحصول على ما نريده، لأنه فات الآون وانتهى الوقت، حيث تعتقد المرأة أو الرجل بأنه يوجد عمر واحد فقط يمكنه فيه العمل، والحب والإنجاز، والإبداع والحصول على كل شيء. فمن الافكار الشائعة في مجتمعنا والتي تعاني منها المرأة مثلًا ارتباط الزواج بعمر معين، فيقول البعض مثلًا للمرأة الثلاثينية أو الاربعينية انها كبيرة في السن وان القطار فاتها وقد تلقب بـ«العانس»، برغم ان ديننا الحنيف لم يربط الزواج بعمر معين. فالعمر يكسب الإنسان الخبرة، بل ويكسب العقل الحكمة أيضًا. حيث يؤكد ذلك المؤرخ والفيلسوف جوزيف رينان فيقول «ان عمرك الذهبي أمامك وليس وراءك». فالانسان قادر على الإبداع والتفرد متى أراد ذلك، ولا يوجد عمر أو وقت معين يقف سدًا امام رغبته في تحقيق أهدافه النبيلة.
وقد يقع العديد منا تحت عبودية النوع الرابع وهي عبودية «الأخطاء السابقة». فالكثير منا يتجنب محاولة التجربة مرة ثانية، لأنه خسر مثلًا مبلغا من المال، أو مشروعا معينا، او لم ينجح في مادة في المدرسة، فإحساس الخسارة مؤلم جدًا وقد نربطه دائمًا بسوء الحظ، بدل ان نتعلم من أخطائنا السابقة ونعتبرها تجارب جيدة ومفيدة نستثمرها لتغيير إيجابي في المرات المُقبلة. ويقول فردريك سميث ان «الخوف من الفشل يجب ان لا يكون حجة لعدم التجربة». فالتجارب تكسبنا الخبرة في الحياة. كما يقول كونفوشوس «ليست العظمة في ان لا تسقط ابدًا، العظمة ان تنهض كلما سقطت». فالاستمرارية في المحاولة وقود الوصول للهدف بنجاح.
يقول بوب مارلي «حرر نفسك من العبودية الفكرية، فلا أحد يستطيع تحرير عقولنا سوى أنفسنا». ولتصبح حياتنا رائعة مليئة بالنجاح والابداع والتميز، من الأرجح علينا ان نعيش احرارًا، ونحطم قيود الأطر الفكرية التقليدية بشتى أنواعها، ولكي ننطلق بعيدًا عن زنزانة العبودية الفكرية، علينا ان نختار اولًا ان نكون كما نحب، لا كما يحب الآخرون ولا نحاول تقليدهم، فما الذي سيحدث لو فكرت خارج القطيع او حلقت خارج السرب؟ كل ما علينا فعله هو ان نميز أنفسنا عن الآخرين، وندفعها نحو الأمام بإيماننا بقدرتنا على التغيير الإيجابي نحو الأفضل للرقي بمجتمعنا. وتذكر ان العمر ليس عائقًا امام تحقيق الطموحات، حيث يقول بنجامين فرانكلين «يهرم الانسان فقط حين يتوقف عن التطور والتقدم». وتعلم ان الاخطاء ليست عيوبا بقدر ما هي فرص ودروس لزيادة خبرتك في الحياة. ادرس وأعمل لتحسين نفسك بشكل مستمر فالجهل طريق العبودية.
] أ. نبيلة مدن

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا