النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10759 الأحد 23 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

«الباغ» البستان الذي يسوّرك بالتاريخ العماني

رابط مختصر
العدد 10688 السبت 14 يوليو 2018 الموافق غرة ذو القعدة 1439
إميلي رويتي، أو سالمة بنت سعيد، ابنة سعيد بن سلطان، سلطان عمان وزنجبار، السيدة التي غادرت قصور أبيها عبر باخرة إنجليزية إلى عدن ثم إلى العالم، كتبت سالمة في القرن التاسع عشر سيرتها بعد أن استقرّت في ألمانيا، وتزوّجت هناك عبر قصة طويلة وأحداث غير مألوفة لسيدة عربية آنذاك. نُقل كتاب «مذكرات أميرة عربية» من الألمانية العام 1978، وتُرجم إلى الانجليزية ثم إلى العربية مُحدِثا شهرة كبيرة... وغير تلك السيرة للسيدة سالمة لا نجد في تاريخ الأدب النسوي الخليجي أي أثر يُذكر في التوثيق التاريخي للرواية... ألسنَ هُنّ القاصّات الأُول، أليست المرأة صاحبة الحكاية الشعبية وقصص المهد؟ أليست شهرزاد هي أولى القاصّات؟! لم أغفلهنّ السرد المحكي الشفاهي حين تم تأريخ الرواية؟!


بحسب الدكتور والباحث البحريني فهد حسين في كتابه «السرد النسوي الخليجي»... ذكر أن تأخّر خروج المرأة إلى جوانب الحياة المختلفة في الخليج العربي جعلها أيضًا متأخّرة في مجال الأدب والرواية، مشيرًا إلى أنّ الرواية النسوية الخليجية الأولى كانت في العام 1958 للسعودية سميرة خاشقجي، ووُسمت «آمالي»، ثم تلتها فاطمة العلي من الكويت 1970 بـ «وجوه في الزحام»، ففوزية رشيد من البحرين في الثمانينات من القرن الماضي.. كانت الروايات تدور في أغلبها حول صراع المرأة الاجتماعي، وإثبات وجودها، والثورة على المعتقدات، وأثرها في المجتمعات الخليجية.
تلك هي الرواية النسوية الخليجية بشكلها العام، أما الرواية التاريخية النسوية فجاءت متأخرة جدًا، وقليلة أيضًا، كرواية «طوق الحمام» لرجاء عالم (2010)، حول مكة القديمة وبروح حجازية، وريم الكمالي من سلطنة «هرموز» (2013) عن البرتغاليين في الخليج العربي، و«زمن السيداف» لوداد خليفة (2015) عن تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة، ومؤخرا رواية «الباغ» للعمانية بشرى خلفان (2016). وبحسب مجريات الرواية يمكن تصنيفها بأنها رواية تاريخية كونها تناولت فترة زمنية معينة، وأحداثًا حقيقية، وشخوصًا حية، ولكن أدخل الخيال عليها فأسقط مربع الحدث على قصص من وحي الخيال، فامتزجا بجمال، فالرواية التاريخية من دون حبكة وخيال هي سرد تاريخي محض.


«بنت الخواضة تخوض»... ريا وراشد
قال لها سنخرج من البلاد الظالم أهلها فأطاعته وخرجا... ربط حبل الليف حول خاصرتها النحيلة قائلًا: «بنت الخوّاضة تخوض»، وكان السيلُ قويٌّ والماء غاضب، ولكن غضب راشد أقوى من السيل، على كتفه بندقية «البوعشر» وريا أخته مربوطة به موجِّهًا بوصلة قلبة إلى الضفة الأخرى، وريّا المستنجدة بتاريخ نميصة بنت الخواضة (الناقة التي تحملهم على ظهرها وسط السيل الجارف) تدعو بما تحفظه من الآيات والسور المُنْجيات، وما يسقط في قلبها من غضب واستفهام: «يارب... أليس الظلم في كل مكان؟!» فكان الخروج وتلك الجملة المفصليّة والمحوريّة في الرواية «نخوض... ويا نوصل رباعة... يا يشلّنا الوادي رباعة»، أي نموت معًا أونسلم معًا، ذاك المشهد المتدفق حيث مبتدأ الرواية تقرأ وتمسح المطر عن جبينك، تحرك رجليك كي تحث الناقة على الصمود في وجه سيل العرم، ترفع رأسك للسماء: يا ربّ نجِّ راشد وريّا... مشهدٌ سينمائيٌّ مكثف لغويًّا وحسّيًّا، كان مفتتح لرواية مختلفة، فأنت تصعد معهم وتنيخ الناقة، تحبس انفاسك مع ريّا، وتتوجس من غضب راشد إلى أين سيأخذهم.
المشهد كاملٌ أمام عينيك، تخوضُ وتصعد دروب مطرح وعمان، جبالٌ وشجرٌ وأسواقٌ وبشرٌ، بيت العُوْد والعُوْدة، راشد العتّال وبرزة السيد، ثم العسكرية، وريا تجد في حضن العودة وصداقة البيبي وتعليم البنات طريقًا لها.. ريا التي تشغلك طوال الرواية بحزنها النائم، كما وصفها زوجها علي، ريّا القوية الحكيمة الضعيفة في حب راشد وابنها زاهر.. ريّا عُمان حين ردفها العسكر فوق ناقة التغيّر ليعبروا بها السيل المندفع.. ريّا عُمان التي كبرت بحزنها ولكنها آخت العسكر وأنجبت التغيير.. عُمان التي خاضت في الظلم والظلام حتى جاء التغيير ونهضت مع السلطان الجديد وفي خاصرتها شوكة الأبناء الثائرين.. صعدت عُمانُ جديدة، عُمانُ السلطان المنفتح الشاب المتعلم... عُمان الباغ.
الباغ هو البستان المسوَّر، والحديقة ذات السور. في اللغة الفارسية والهندية الباغ مكانٌ محدد له سور وباب، ذاك المكان له صورة تمشي معك إلى نهاية الرواية. إن تلك الحديقة الجميلة هي بلادك المسوَّرة بالأحلام والآلام والأمنيات، حديقة جميلة عليك الاعتناء بها وحبها أيضا.


حروب الباغ
في الرواية جاء ذكر حربين، كانت البدايات الأولى للثورة والتغيير، ثورة الجبل الأخضر بين الإمامة والسلطان، والتي أشعلتها شركات النفط العالمية، وبتحريض من أطراف مختلفة، والتي رغب المجتمع الدولي المماطلة في حلها حتى حسمها السلطان، وطرد بن عطيشان بمساعدة القبائل من دون خسائر تذكر. ثم قامت ثورة ظفار التي حرّكت الحبكة الكبرى في الرواية، وقد تتعدى الأسباب التي أدّت إلى قيام الثورة في ظفار على حكم السلطان سعيد بن تيمور، ولكن كان الفقر والتخلف والعزلة أهمّها، ثم الضرائب والممنوعات المفروضة من السلطان على الناس في مسقط وظفار.
زاهر بن ريّا
ينتابنا فضولٌ قويٌّ حيال اسم زاهر... لم اختارت الكاتبة اسم زاهر للفتى الثائر؟ نجد أن اسم زاهر متداول جدا في عُمان، إذ يكتب قاسم حداد: «حاول هذا الصديق أن يتبادل بين الجبل والساحل صورًا قديمة تجعل الحلم ممكنًا، لكنه بوغت بالمسافة الشاهقة بين خفة المكان ورصانة الوقت فأصيب بالفقد». عبارةٌ من بورتريه «الجبل الأخضر السيد يراك من هناك»، يصف فيه قاسم حداد حالة شعورية تجاه الجبل الأخضر وتجاه أحد الثوار في ظفار (زاهر المياحي)، الذي كان أحد رموز الثورة وقادتها الملقب (أحمد علي)، واستشهد زاهر المياحي في سبيل الثورة إذ قتل وهو يحاول أن يحمي ظهور رفاقة الصاعدين للجبل في معركة بينهم وبين جيش السلطنة... المشهد نفسه الذي تعرّض له راشد في الجبل أيضًا، ولكنه نجى ونال وسام الشجاعة من الجيش والإنجليز، ونال المياحي وسام الشهادة.


زاهر ابن ريّا الفتى الثائر الذي أسر قلوب القرّاء، وتجسّد حقيقة لهم في مسقط والكويت وثم ظفار... كانت الرواية تدور حوله وله وتنتهي عنده.. زاهر زهرة قلب ريا وحُلم علي... زاهر الذي لم نرضَ أن يموت أو يُقتل أو يُحاكم.. وتركتنا الرواية لا نعرف مصيره كي نحبّه أكثر.
البوصلة
في تعريف البوصلة أنها أداة تحدد الاتجاه حين تتلبد السماء بالغيوم والضباب.
حين تفتح مصراع التاريخ عليك أن تجيد استخدام البوصلة، فالتاريخ حقيقة، ولكن قراءته حمّالة أوجه. «الباغ» تحمل صورة البوصلة على الغلاف، البوصلة تشير للشمال دائما وتحدد ما حولها من الاتجاهات، لن تجتاز الضباب الكثيف إن لم تكن تجيد استخدام البوصلة، وإنْ تهورتَ في تحريكها ضاعت منك الجهات. هنا عُمان منذ سعيد بن تيمور، شعب معزول ومحروم وسط الطفرة النفطية للخليج، والمد القومي، وعبدالناصر، و«صوت العرب» وأحمد السعيد، فلا شوارع ومستشفيات ولا مدارس، كل أسباب الثورة متوفرة، الاتجاه محدد، أن يثور الشعب ولكن تأتي السلطة وتفرض التغيير. تخوض الكاتبة في جميع الأحداث كما حدثت، ولكن بفتح جميع الاحتمالات وخصوصًا حين تركت نهاية زاهر مفتوحة للقارئ: هل يُقتل، أم يُعفى عنه، أم يعودُ ثائرًا... نهاية ذات قراءات كثيرة.


التمكّن
لا يمكن أن تكتب رواية تاريخية دون التمكّن من أدواتها كالبحث والتقصي والرؤية المحايدة، لن تترك قلمك يجرّ القارئ إلى ما يصطف معه قلبك، أن تشير إلى الحقيقة كما حدثت في التاريخ... كما بدت جليّة في أحداث الحروب والثورة، والأثر الواضح للإنجليز في تأسيس الجيش العُماني، وثورة التغيير في عُمان. إضافة إلى التمكّن المبهر من خيوط الرواية وإدارة الفكرة من دون أن يسقط أحد خيوطها أو يتراخى، على سبيل المثال «قروش بنت الخوّاضة»، في مشهد مهيب يفطر القلب، تكوّمت ريّا عند باب شقة أخيها راشد في انتظاره، وألم الفقد يعصرها حاملة معها صرّة نقود كي تفدي بها ابنها زاهر، مستغيثة بالعسكري الكبير، تمدّ يدها: «قروش بنت الخواضة»، هذا المشهد لا بد وأن يعيدك إلى البدايات والناقة تخوض بهم السيل ثم تتحول لقروش بعد بيعها، القروش سندهم في غربتهم، والتي تنازل راشد عنها لزاهر بعد ولادته.. وريا تدفن القروش التي أتعبها وجودها تحت الأرض، زاهر طفلًا يحفر ويخرجها، ريا تقرر دفنها ثانية، تنساها ثم تعود لها مؤخرا لتمدّها في انكسار كبير لراشد فداءً لزاهر. لم يسقط خيط الناقة حتى المشهد الأخير منذ كانت تمشي على الأرض حتى تحوّلت لفداء، ذاك هو التمكن والسيطرة على خيوط الحبكة كاملة.. دائرة كاملة.
الوصف
تتقمص الكاتبة كل شخوص الرواية وتسبر جوّانياتهم، وتمتزج معها، فهي ريّا في حزنها، وراشد في بطولاته وحيرته وغضبه الهادر، وهي عليٌّ زوج ريّا وهو يبكي ابنه في المسجد حائرًا في أيّ صلاة هو... العُوْدة متمكنة من أدويتها وعمق الطيبة العمانية، وبساطة العُوْد كنموذج عماني بحت... زاهر ومزنة يكبران في العشق، وحب الرمان، وسورة الرحمن، هذا التقمّص يرسم الشخصيات من الداخل والخارج، مسقطة عليهم الوصف الجزل لتفاصيل المجتمع العُماني، عاداته وتقاليده، أكله وشربه، ملابسه وحصونه وقلاعه، جغرافية مسقط، بيت الباغ، سجن الجلالي، الحرب بتفاصيل جنرالاتها، والثوار المندسِّين في طيات الجبل كأنهم جان، السوق وناسِهِ وروائحه، الدكاكين، العتّالين، وأصناف البشر من بلوش وبانيان (الهنود عبدة البقر) وعرب، مرق السمك الحرّاق، الطعام المفضل في عُمان وكأنك تشتمُّه، الليل والنهار، الغضب واللين الفرح والحزن، صحب أدقّ التفاصيل السينمائية.. كان أدّقها على الإطلاق مشهد إصابة راشد بالجبل، والتخفي بين الصخور حاميًا رفاقه الجنود، وكأنك ترى الظلمة حولك، والثوّار يكشفون راشد من موقعه... أزيز الرصاص... تدحرج الصخور والحصى من تحت قدميه... الثوار بحركتهم السريعة والخفيفة... الخوف والتضحية... ثم السكون التام... مشهد مرسوم بأدقّ التفاصيل الحسيّة والمعنوية.
تتبع الوصف الدقيق، أحيانًا، خلاصات بسيطة وجميلة ومكثفة، لم تكن كثيرة كي لا تكون الرواية مرتعا للاقتباسات الجاهزة: «الوصول بالتسليم»،«من تشغله الحياة لا يشتغل بالموت»، «البحر دفتر».
اللغة
لغة «الباغ» جميلة وبسيطة وحساسة جدًا، فلا هي شاعرية ولا هي قاسية، ترتخي أحيانا حين الدخول في الحوار باللهجة العمانية، تلك اللهجة التي أتعبت البعض في القراءة، واستمتع بها البعض، إنها كالاستراحة بين طيّات النص تؤكّد جنسية الرواية، تلك الجنسية الواضحة جدا بالوقائع والتاريخ واللهجة. تسربت الرواية في نفوس الكثير من قرّائها، وأحبها الكثير مع عمق عُمانيّتها... أحبها من يرى الفقر واحدا، والطغيان واحدا، والقرب من الأحداث التي عاصرها الكثير من أهل الخليج العربي خصوصًا. اشتغلت الكاتبة في الهمّ العُماني لتسرِّبَه وتدسَّه في نفوس الجميع، فالرواية التي تترك فيك أثرًا لا بد أن تكون جميلة وصحيحة جدًا.

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا