من مقاصد الرفق في الشريعة الإسلامية

No ads

1. تحقيق الطاعة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم:
حينما يتحلّى المسلم بالرِّفق استجابة لأمر الله تعالى، وتأسّيًا بحال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقوله، يكون قد بلغ الغاية، وحقّق أعظم هدف يتنافس فيه المتنافسون، ويتسابق إليه المؤمنون، ألا وهو تحقيق الطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، قال سبحانه: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا».
2. تقديم الإسلام في صورته الصحيحة:
إن وفرة النُّصوص التي تحثُّ على الرِّفق وتُرَغِّب فيه تعطي انطباعًا عامًا عن الإسلام بأنه دين الرِّفق واللُّطْف، وتجعل من تلك الأخلاق الكريمة سمة بارزة لهذا الدّين، وصفة مميِّزة لأتباعه، وحينما يلتزم المسلم بتلك الأخلاق: الرِّفق واللِّين واللُّطْف والأناة من خلال سلوكه وممارساته ومعاملاته مع الآخرين، تظهر من خلاله هذه السِّمة، فيكون المرآة الصادقة التي تعكس الإسلام الحقيقي، ويدل على هذا قصة الأعرابي الذي بال في المسجد.
3. تحبيب الناس بشرائع الإسلام وتكاليفه:
لم يرسل النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم رسولًا ولا معلِّمًا إلا أوصاه بأن يترفَّق ولا يتشدّد، وأن ييسّر ولا يعسّر، وأن يبشِّر ولا ينفِّر، وبهذا انشرحت القلوب، وأحبَّ الناس الإسلام، ودخلوا فيه أفواجًا.
عن سعيد بن أبي بُرْدة، عن أبيه، عن جدّه قال: لمَّا بعثَه رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعاذَ ابنَ جبل قال لهما: «يسِّرا ولا تُعَسِّرا، وبَشِّرا ولا تُنَفِّرا...»، الحديث.
وعن أنس بن مَالِكٍ رضي الله عنه قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: «يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا، وسكِّنُوا ولا تُنَفِّرُوا».
قال ابن حجر: «في الحديث: الأمر بالتيسير في الأمور، والرِّفقُ بالرَّعِيَّة، وتحبيبُ الإيمان إليهم، وتركُ الشِّدَّة؛ لئلا تَنْفِرَ قلوبُهم، ولاسيما فيمن كان قريبَ العهد بالإسلام، أو قاربَ حدَّ التكليفِ من الأطفال؛ ليتمكَّنَ الإيمانُ من قلبه، ويتمرَّنَ عليه، وكذلك الإنسان في تدريب نفسه على العمل إذا صدقت إرادتُه لا يُشدِّدُ عليها، بل يأخذها بالتدريج والتيسير، حتى إذا أنست بحالة داومَتْ عليها نقلَها لحالٍ آخر، وزاد عليها أكثر من الأولى حتى يصل إلى قدر احتمالها، ولا يكلفها بما لعلَّها تَعْجِزُ عنه».
4. بلوغ الغاية بأيسر السبل:
من المعلوم أن تقديمَ أيِّ فكرة، أو عرضَ أيِّ مسألة، أو سؤالَ أيِّ حاجة، إذا ما تمَّ بأسلوب رفيق لطيف، حقّق قبولًا ونجاحًا، وما ذاك إلا لأن الرِّفق مفتاح القلوب.
فالتَّعامل بالرِّفق هو الاختيار الأمثل لتحقيق الغايات، والوصول إلى النتائج المرجوّة من النّجاح وتحقيق الأهداف، بأيسر السُّبُل، وبدون مشقَّة وعناء، يدلُّ عليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنَّ الرِّفْقَ لا يكونُ في شيءٍ إلا زانَهُ، ولا يُنْزَعُ من شيءٍ إلا شانَهُ».
5. توطيد العلاقات وتقوية الأواصر:
تطرأ في حياة الإنسان بعض الأمور التي ليست بحسبانه، فإذا ما استخدم لها الحكمة، وعالجها برفق، اجتازها بنجاح وتفوُّق، وذلك لما في الرِّفق من أسرار وخصائص عظيمة، فبسببه تهوي الحواجز، وتُخْتَصر المسافات، وتقوى الصِّلات، وتزول الضغائن والأحقاد من القلوب، ويحصل المطلوب، أما العُنْف والشدَّة والغلظة فلا تحَقِّق إلا النُّفْرة، والبُغْض، والقطيعة.
قال الله تعالى لنبيِّه صلى الله عليه وآله وسلم: «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ».
وقد ضرب رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم أروعَ الأمثلة في معالجة المواقف الطارئة بالرِّفق، حينما قام أعرابيٌّ جافٍ أو حديثُ عهد بالإسلام فبال في مسجده! فتناولَه النَّاسُ.
فقال لهم النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: «دَعُوه، وهَرِيقُوا على بوله سَجْلًا من ماء - أو: ذَنُوبًا من ماء - فإنما بُعِثْتُمْ مُيَسِّرين، ولم تُبْعَثوا مُعَسِّرين» رواه البخاري. وفي رواية له: فزجره الناس، فنهاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
والتفت صلى الله عليه وآله وسلم للأعرابي قائلًا: «إنَّ هذه المساجدَ لا تصلُحُ لشيءٍ من هذا البولِ ولا القَذَرِ، إنما هي لِذكْرِ الله عزَّ وجل والصَّلاة وقراءةِ القرآن»، رواه مسلم.
وعن معاويةَ بنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قال: بينا أنا أصلِّي مع رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم إذْ عطس رجلٌ من القوم، فقلتُ: يرحمك الله. فرماني القومُ بأبصارِهم، فقلتُ: واثُكْلَ أُمِّيَاهْ! ما شأنُكم تنظرون إليَّ ؟!. فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذِهم، فلمّا رأيتُهم يُصَمِّتُونَني لَكنِّي سَكَتُّ، فلمّا صلَّى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - فبأَبي هو وأمّي، ما رأيْتُ مُعَلِّمًا قبله ولا بعده أحسنَ تعليمًا منه، فو الله ما كهرني، ولا ضربَني، ولا شتمَني - قال: «إنَّ هذه الصَّلاةَ لا يَصْلُحُ فيها شيءٌ من كلامِ النَّاسِ، إنَّما هو التَّسبيحُ والتَّكبيرُ وقراءةُ القرْآنِ»... الحديث رواه مسلم.

No ads

View Web Edition: WWW.ALAYAM.COM