x
x
  
العدد 10418 الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 الموافق 27 محرم 1439
Al Ayam

الأيام - منوعات

العدد 10352 السبت 12 أغسطس 2017 الموافق 20 ذي القعدة 1438
  • «تاريخ الشك» للمؤرخة الأمريكية جينيفر مايكل هيكت

  • كتاب يتتبع تاريخ الشك عبر أبرز الأفكار والشخوص التي تعود لـ 2600 عام

رابط مختصر
 

في كتابها الضخم، الذي يتجاوز ثمانمائة صفحة، تتوغل المؤرخة والفيلسوفة الأمريكية (جينيفر مايكل هيكت)، بقارئها في (تاريخ الشك) -وهو عنوان الكتاب-، عبر (رحلة اشتكشافية بانورامية حول هذا التاريخ وما يدور حوله من مسائل شائكة ومعقدة تتضمن الإيمان واليقين والحقيقة والإنكار)، كما يذكر الناشر، (المركز القومي للترجمة)، وذلك وفق بنية زمنية تسلسلية، تبدأ (من بدايات التاريخ المدون)، وصولاً للتاريخ الحديث، باحثة الشك الديني (في أرجاء العالم كافة)، إذ (مثلما هو الإيمان، يتخذ الشك كثيرًا من الأشكال المتباينة، من شكوكية الأقدمين إلى التجريبية العلمية الحديثة ومن الشك بآلهة متعددة إلى الشك بإله واحد، وإلى شك يعيد بعث الإيمان ويحييه وشك هو كفر لا ريب فيه)، كما تقول (هيكت).
إن النظرة التي توليها (هيكت) لتاريخ الشك في هذا الكتاب، نظرة مختلفة عن كونه (ظلاً لتاريخ الإيمان)، إذ تره بوصفه قصة منفصلة، وذلك لما تشكله النظرة للشك بوصفه ظلا، من صوبة في معرفة (كيف عكست أساليب التشكك أنماطًا معينة للتغيير الاجتماعي).
تؤكد المؤلفة بأن قضايا الإيمان والشك، تنزع لاتخاذ مسالك شديدة التحيز، فنجد الملحدون، ينزعون (لاعتبار المؤمنين سذجا أو تابعين، أما المؤمنون فينزعون إلى اعتبار المحلدين أناس تركوا أنفسهم للألم واللاأخلاقية واللامعنى)، ومن هذا المنطلق، يجيء كتاب (تاريخ الشك)، سعيًا (لنفض الغبار عن هذه المسلكيات الحديثة)، أو هذه التراشقات المتبادلة، التي تبدو للوهلة الأولى، بأن كبار المؤمنين، وكبار الشكاك على طرفي نقيض، إلا أنهم يشبهون بعضهم بعضا أكثر مما يشبهون جمهور اللامبالين أو المستسلمين، كما تقول (هيكت)، معللة ذلك بأنهم (مدركون لحقيقة أننا نحيا بين واقعين متباعدين: فمن جانب، هناك عالم في أذهاننا، وهو عالم العقل والخطط والحب والغاية. ومن جانب آخر، هنالك عالم ما بعد حياتنا البشرية. ولأننا بشر فنحن نحيا في قطيعة مع المغزى، خلافا للكون).
تضع (هيكت) الشك في سبع فئات يندرج اثنان من أقدم أشكاله في إطار العلم (المادية والعقلانية)، وفي إطار مناهج لا تأليهية متسامية (غالبا أديان من دون آلهة)، أما الأصناف الثلاثة الأخرى، فتتبين من استعراض الشك القديم إذ حالما اختلط الناس، ظهرت نسبوية الكوزموبوليتانية (عالم تتعدد فيه الثقافات والمجالات، سواء على صعيد الكيانات الثقافية أو الأشخاص) كانت ثمرتها أنهم راحوا يشككون في تقاليدهم الخاصة بالإيمان، كما برزت حاجة سياسية للتسامح ولعلمانية عامة. وفي الوقت عينه، ظهر الرفض الأخلاقي للجور، وكذلك ظهرت فلسفات الحياة الهانئة التي طرحت نفسها بوصفها مرشدا لحياة من دون إيمان. أما الشكوكية الفلسفية، التي تستجوب قدرتنا على معرفة العالم كليا ، فقد بدأت مع التشكيك السقراطي. بيد أنها تواصلت فعليا بعد أن حقق قدامى اليونانيين حشدا من الفلسفات التي دفع تنوعها الشديد بعض الناس لرفضها جميعا. وآخر الفئات الشكية هو (شك المؤمن الغيور)، كما تسميه (هيكت)، منوهة أن كل هذه الفئات والتاريخ التي برزت فيها تتشابك على نحو مدهش.
تأريخ (هيكت) لبداية الشك المدون، إلى ما يعود لألفين وستمائة عام، وهذا ما يجعلها تؤكد بأن (الشك أقدم من معظم ضروب الإيمان)، إذ مثل الشك تاريخًا مدويًا في وضعه لقواعد للحياة الهانئة، وتواقًا للحقيقة بالمقدار عينه الذي تاق له الإيمان للحقيقة، وهذا ما توضحه المؤلفة خلال فصول كتابها العشرة، بدءًا من الفصول الأربعة الأولى التي تتتبع فيه المأثورات البطولية للشك في العالم القديم، الذي يشغله اليونانيون، والعبراويون، والشرقيون، وفلاسفة ومفكرو روما القديمة. وصولاً إلى الفصل الخامس حيث تتفحص المسيحية، والشك المسيحي، لتعرج من خلاله على العصور الوسطى، حيث جغرافيا البحر الأبيض المتوسط، وإشكال الشك اليهودي، والمسيحي، والإسلامي، في الفصل السادس. وصولا إلى الفترة التي استغرقتها عصور النهضة الأوروبية والإصلاح ومحاكم التفتيش، وعلى الجانب الآخر، الشك المتعلق بصعود الزان في شرق آسيا، والتقاء الأوروبيين بالالديانة الآسيوية غير التأليهية، في الفصل السابع، لتتخذه سلما يوصلنا للفصل الثامن، المتعلق بالفترة الممتدة من العام (1600) حتى (1800) ميلادية، حيث الثورة العلمية، والديمقراطية. ثم إلى القرن التاسع عشر، الذي يعنى به الفصل التاسع، وهو عصر ضج بشكوكه، وبرزت فيه شخوص ما يزال أثرها بارزًا في الفكر الإنساني، وفي واقعنا المعاصر، لتختم بالفصل العاشر، حيث تقيم القرن العشرين، وصولا لوقتنا الحاضر.
وتنطلق المؤلفة في الفصل الأول من الشك اليوناني، لتستعرض أبرز أشكال الشكوك التي سطرها الفلاسفة والشعراء، لتنتقل بعد ذلك للعصر الهيليني، وهي الفترة التي تمتد من وفاة الإسكندر الأكبر في العام (323) قبل الميلاد وصولاً إلى وفاة الملكة كليوباترا في العام (31) قبل الميلاد، حيث غمر الشك هذه الفترة كثيرًا إلى حد أن فلاسفتها كانو كلبيين (أصحاب مدرسة الكلبيون، الذين اعتزموا العيش مثل الكلاب، من غير حياء أو عرف)، وشكوكيين أصلاء. كالرواقيون، والأبيقوريون، وكان مجمل هؤلاء (يعيدون تصور المقدس) ولم يكونوا في شكهم (يحاربوا الدافع الديني)، وإنما يدعون للتفكير الشجاع باعتباره (سر السعادة).
أما في الفصل الثاني فتبدأ (هيكت)، بالشك عند قدامى اليهود، عبر سرد التاريخ اليهودي، وصولاً للظهور الأول لـ «أيوب» باعتباره (أول شاهد على الشك في الكتاب المقدس)، وذلك في إشارة لقصة أيوب المشهورة، خاصة بالصيغة التي وردت عليها في الكتب المقدسة، حيث اختبره الله، وإصابه بالمصائب تلو المصائب، حتى وصل إلى حالة من اليأس.
فيما تذهب المؤلفة في الفصل الثالث إلى آسيا، حيث الشك القديم فيها، بدءًا بالهندوسية أولى الديانات الكبرى التي ظهرت على سطح الكوكب، وما اعترها من شكوك، وصولاً إلى (الكارفاكا)، وهي عقيدة مادية ازدهرت في الهند في القرن السابع قبل الميلاد، وقد اعتقدوا بعدم وجود حياة أخرى أيا تكن، وعدوا أي اعتقاد مخالف أقرب للهزل. وصولاً للديانتين الجينية والبوذية، التان بدأتا كحركتين إصلاحيتين للديانة الهندوسية، إلا أنهما رفضتا كثير مما جاء في كتابها المقدس، لتمر بعد ذلك على ما اعترى هاتين الديانتين من شكوك.
وفي الفصل الرابع تعود (هيكت) إلى اليونان، ولكن في زمنية مختلفة، حيث (امبراطورية العقل) وما اجتاح هذه الإمبراطورية من شكوك جديدة، تختلف عن سالفتها التي تناولتها المؤلفة في الفصل الأول، ولتتابع في الفصل الخامس تفحص عددا من الشكوكيات التي تمت بين العام الأول وحتى العام (800) للميلاد، بدءًا بالمسيحية، وما تعرضت له من شكوك، وصولاً للشك اليهودي لإليشاع، ثم مرورًا بقصة (هيباتيا)، ونهاية الفلسفة الدنيوية، كما تنتقل في هذا الفصل إلى الشك الشرقي، في هذه الحقبة التاريخية، خاصة شك (الزان).
وتخصص المؤلفة الفصل السادس من الكتاب، لتفحص الشك من العام (800) وصولاً للعام (1400) ميلادي، وهو شك العصور الوسطى، إذ تمر بالشك الذي أعترى اليهودية والمسيحية، ثم تأتي للشك الإسلامي، لتخلص إلى الشك الذي ظهر في تاريخ الإسلام، وتأسست عليه عدد من الفرق والماهب، سواء العقلية أو العقائدية، وصولاً للعلانيون السكولائيون، في عصر النهضة الأوروبي.
ومن هذه الأزمنة إلى عصر الطباعة، أو عصر الشهداء كما تسمي (هيكت)، الفصل السابع، حيث يمتد هذا العصر، حتى العام (1600) ميلادية، وفيه تتقصى عصر النهضة، ومحاكم التفتيش في العصور المظلمة، كما تتابع انتقالها إلى آسيا، حيث الشك المتمثل في الزان وغيره من أشكال الشكوكية الشرقية، لختتم هذه الزمنية بالانتقال إلى حقبة أخرى تمتد حتى العام (1800)، وهي حقبة الفصل الثامن، حيث تستعرض فيها أبرز الشكوك، والمشكيين، وصولاً لعصر التنوير الأوروبي وروموزه المعروفين.
وفي الفصل التاسع، ، تتابع تقصيها لتاريخ الشك، وصولاً لمطلع القرن العشرين، عبر المرور على التفكير الحر في عصر العلوم والإصلاح، وفلاسفة الشك، ككانت، وشوبنهاور، وكيركجارد، ونيتشه، وصولا لجون دالتون، وداروين، وهكسلي، وديستيوفسكي، وغيرهم الكثير. لتختم كتابها بالفصل العاشر، الذي يتناول الحقبة الزمنية منذ مطلع القرن التاسع عشر، وحتى عصرنا الحاضر، إذ تتناول الشكوكية التي جاءت بها الكوزموبوليتانية الجديدة (عرفنها سابقا)، خالصة إلى أن القرن العشرين، يتميز، بذروة اللحظات الكوزموبولوتانية على مدى التاريخ، حيث الشكوكية العميقة، التي تحمل على عاتقها معرفة العالم. ومن أبرز تمظهرات هذا العصر، أن أصبحت الدول العلمانية مثالاً واسع الانتشار حول العالم.





زائر
عدد الأحرف المتبقية
   =   

تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة
  إقرأ في عدد اليوم
  الأيام "واتساب"

المواضيع الأكثر قراءة

هل تؤيّد ما ذهبت له دراسة حديثة بأن انتاجية الموظّف البحريني 42 دقيقة فقط في «اليوم الواحد»؟