x
x
  
العدد 10362 الثلاثاء 22 أغسطس 2017 الموافق 30 ذي القعدة 1438
Al Ayam

الأيام - منوعات

العدد 10268 السبت 20 مايو 2017 الموافق 24 شعبان 1438
  • قراءة في الوعي الجمالي الشعري.. البحرين أنموذجًا

  • رسالة النص وتحولات اللغة في نص (الهاشمي)

رابط مختصر
 

حللنا في المقال السابق «حركة الايقاع في قصيدة علوي الهاشمي»، وفي هذا المقال سنختبر قدرة الايقاع على احتواء بنيات الرسالة التي أراد الهاشمي ايصالها الى متلقيه، والاطار العام كما يبدو من رسائل القصائد في شعر الهاشمي ينتمي الى قلق الوجود، ومحاولات تغير العالم بما ينسجم مع رؤى الحق والجمال والعدل، وتتحق هذه الثلاثية في المقاطع الآتية: «غفوت على جرح قلبي../‏‏ سحابة دفء، ودالية من حنين /‏‏ وطفت ظلالاً معطرة الخطو /‏‏ فوق اندحار الأغاني على شفتيَّ...».
في هذا المقطع هناك مقاومة للاندحار، وهذه المقاومة منبنية على الجمال (ظلال عطر) وبين حركة الاندحار والمقاومة يكمن قلق الوجود في النص وجمالية الاستمرار في المقاومة كما في المقطع الاخر من نص (غداً ترحلين كغيرك مني) يقول المقطع الاخر من النص: «طلعتِ كصحو المواسم بين عظامي /‏‏ نموتِ.. كبرتِ.. تساميتِ /‏‏..صرتِ ملاكاً وأكثر،.. صرتِ الهاً.. /‏‏ ركضتِ مع الدم بين عروقي /‏‏ سكنتِ اتساع العيون /‏‏ ولكن... ويالشقائي /‏‏ غداً ترجعين كما كنتِ مضغة طين»، وفي هذا الوجود الزائل حتماً هناك صورة للقلق عبر عنها النص في الرحيل الذي ينتظر الأشياء بعد رحلة الجمال، وهذا الإطار الفكري العام لابد أن يحقق الشعر في لغة القصيدة، وهذه اللغة تتراوح في نص الهاشمي بين منطقتي المألوف (غداً ترجعين مضغة طين)، (علاقة سياقية)، ومنطقة الإنزياح كما في (ركضت مع الدم في عروقي)، (علاقة انزياح)، ولكل منطقة وظيفتها في النص، فالمألوف في اللغة يحقق التواصل مع المتلقي من خلال سحبه الى العالم الواقعي المعاش ومن خلال تقريب حركة الواقع وافرازاته الى رؤى المتلقي لتبعث فيه حركة شعورية يمكن أن تتحول الى مرحلة الخيال والتأمل والحلم، وهذه المرحلة الشعورية هي التي تتعامل مع الانزياح في اللغة وتتقبلها بوصفها تمثل واقعاً ملموساً على الرغم من طابعها الحلمي، وفي هذه النقطة تتحقق شعرية النص عند الهاشمي.
في قصيدة أخرى كما في مفتتح قصيدة (الطوفان) التي تتضمن االسطور الآتية: «من أين يجيء الحزن اليَّ وأنت معي /‏‏ من أين يجيء ؟ /‏‏ قنديل مختنق الأنفاس يضيء /‏‏ يبكي وسط متاهات الليل /‏‏ يتسلق قامته ظل رجراج»، في هذا المفتتح تبدأ الرسالة باستفهام انكاري (من أين يجيء) وهو في حقيقته يحمل اتجاهات نفي مجيء الحزن، وهذا النفي الداخلي في صيغة السؤال، أمكن التعبير عنه من خلال طريقة الانشاد في قراءة النص ومن خلال تكرار السؤال في السطر الثاني مع اختصار التفاصيل (من أين يجيء؟)، وهنا تبدو الصورة الشعرية واضحة مفردة غير مركبة لأن الرسالة تقوم على نفي الحزن، والملاحظ هنا أن علاقات السطر الشعري تعتمد على منح الحزن صفة مادية في جعله الثالث في علاقة الاثنين (الرجل والمرأة)، وفي الوقت نفسه منح النص صفته المعنوية بوصفه شعوراً يتحقق في الذات ولا يشاهد إلا من خلال التفاصيل المادية الانسانية، وفي هاتين الصفتين أحدث المفتتح صدمته في القارئ وكانت جماليات النفي عنصراً اضافياً في تحقيق الصدمة.
ولم يتوقف النص في هذه المنطقة من الشعرية بل بدأ في السطر الثالث انتاج العوالم والعلاقات التي تفترق عن المألوف، في السطر الذي يقول (قنديل مختنق الأنفاس)، وفي هذا السطر انتقل القنديل من حالة السكون الى الحركة، ومن الثبات المادي الى الأنسنة، وذلك من خلال فعل الاختناق، وقد كان الانتقال المفاجئ الذي ظهر في النص من مرحلة (الحزن الى القنديل)، قد مثل عملية ارتقاء بشعرية النص، لأن هذا الانتقال يمكن إحالته الى الى الذات التي ترفض الحزن في السطر الأول، وفي الوقت نفسه الى القنديل بوصف السطر الثالث والرابع بنية مكتفية بذاتها ومستقلة عن التي سبقتها، وهذه الثنائية في الاستقلال والاندماج كانت واحدة من أهم عناصر الشعرية في هذا المقطع، لأن المتلقي لهذا المفتتح سيكون في مرحلة من التفاعل مع النص تبحث القصد والمعنى في رسالة القنديل (أنا أم الآخر أم الحزن)، وهذا التوع في القصد منح النص قيمة شعرية جديدة، وهذه الشعرية تحققت في العلاقات الآتية: (قنديل، يتنفس ويبكي)، وهذه الأنسنة غير الوفة للقنديل ارتبطت في أصل وجوده في الفعل (يضيء) وهنا ارتبط المألوف بغير المألوف بعلاقة تناغم وتناسب الأمر الذي حقق علاقة بين الحلمي والواقعي في هذا المقطع ليرفع السياق الى منطقة الشعر، هذه التقنية التي استعملها الهاشمي في معظم قصائده عبرت عن معظم الرسائل التي أراد ايصالها في نصوصه، ولكن من دون أن تستحوذ الرسالة على منطقة الشعر عنده، لذلك كانت علاقات لغته تتسم بالخروج من الألفة الى اللاألفة.
ولكن يواجهنا بعد هذا التحليل سؤال مفاده: هل يمكن عدّ اللغة المألوفة خارج منطقة الشعر؟ وما المناطق التي اشتغل عليها الشاعر لتغريب المألوف؟ كان التشبيه المباشر أبرز التقنيات التي استعملها الهاشمي في انجاز مهمة التغريب لذلك يلاحظ تكرار (كاف التشبيه) في معظم قصائده كما في المقاطع الآتية: «عندما هبت على دوحتنا الخضراء ريح /‏‏ قد تساقطتم /‏‏ كأوراق الخريف /‏‏ كالأوهام /‏‏ كالشوق الكسيح..»، وهنا تحول التساقط المعبر عن انهزام الانسان الى مجموعة من العلاقات البعيدة عن السقوط المألوف، وقد حقق التشبيه المباشر بحرف الكاف التقريب بين البعيد الغريب والقريب المألوف فالسقوط يشبه سقوط الاوراق والوهم والشوق الكسيح، وهذه العلاقات التشبيهية حققت الشعرية في النص في منطقة أخرى، ويكرر الهاشمي هذه العلاقات في قصيدة أخرى كما في المقطع الآتي: «اذا ما هم غداً هجموا /‏‏ كأسراب الجراد السود، كالطاعون، كالجدري...»، وهنا استطاع الحقل الدلالي الواحد (الجراد، الجدري، الطاعون) أن يعبر عن صورة الشر التي اراد النص ايصالها في رسالته.
تلك بعض التقنيات التي استعملها الهاشمي في فصيدته ويمكن ان تكون هذه الملاحظات مقدمة لدراسة اخرى.





زائر
عدد الأحرف المتبقية
   =   

تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة
  إقرأ في عدد اليوم
  الأيام "واتساب"

المواضيع الأكثر قراءة

هل تؤيّد ما ذهبت له دراسة حديثة بأن انتاجية الموظّف البحريني 42 دقيقة فقط في «اليوم الواحد»؟