x
x
  
العدد 10330 الجمعة 21 يوليو 2017 الموافق 27 شوال 1438
Al Ayam

الأيام - منوعات

العدد 10239 الجمعة 21 ابريل 2017 الموافق 24 رجب 1438
  • مـالا عـــــــين رأت ولا أذن ســمعت

رابط مختصر
 

حين جعل الله - تعالى - الدنيا دار ابتلاء وعمل، وحفها بالشهوات المشاهدة المحسوسة، وجعل الآخرة دار جزاء وقرار، وهي غيب أخبرنا عنه، فإنما ذلك ليظهر من يؤمن بالغيب الموعود، ويقدمه على المشاهد المحسوس، فيخاف وعيد الله - تعالى - في الآخرة، ويرجو وعده، ويعيش دنياه على وفق ذلك.
إن من آمن بالحياة الباقية، وعمل للآجلة، وجعل غايته الدار الآخرة، ولم يستعجل اللذة العابرة، والشهوة الزائلة، ولا اغتر بالحياة الفانية، فإن جزاءه جنة عرضها السماء والأرض، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم، ينعمون فيها فلا يبأسون، ويصحون فلا يمرضون، ويخلدون فلا يموتون.
والكلام عن الجنة وما فيها من النعيم، تطرب له قلوب المؤمنين، وتشتاق له أسماع الموقنين، فيشمرون عن سواعد الجد والعمل في الباقيات الصالحات، لتحصيل أعلى المنازل والدرجات «في مقعد صدق عند مليك مقتدر» (القمر: 55).
والقرآن والسنة مليئان بالحديث عن الجنة، لزرع اليقين في قلوب المؤمنين بحقيقتها، وتشنيف أسماعهم بذكرها، وتشويقهم لأنواع نعيمها، وحفزهم للمسابقة في أعلى درجاتها. إذ هي دار الكريم المنان، وجزاء الرحيم الرحمن، وهبها للمؤمنين برحمته، وجعل الإيمان والعمل الصالح سببا يوصل إليها، وليس ثمنا لها، «تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا» (مريم: 63)، «وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون» (الزخرف: 72)، «جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى» (طه: 76).
ومن نعيم الجنة ما فيها من أنهار تجري، وعيون تتفجر، وأنهار الدنيا وعيونها مع كثرتها، وعذوبة مائها، وطيب هوائها ـ ليست شيئا يذكر عند أنهار الجنة وعيونها، ومع ذلك فإن أنهار الدنيا وعيونها قد سلبت الألباب بجمالها، وأشعلت الحروب لحيازتها، وعمرت بالساكنين جنباتها، وأثمن ما في الأرض ما كان على حافة نهر، أو نبعت فيه عين، وأغلى ما يكترى من المنتجعات ما كان على شواطئ البحار وحواف الأنهار، لأسر منظرها، وجمال مشهدها، وطيب هوائها، وراحة النفس فيها، وما زال الناس قديما وحديثا يستجمون في سواحل البحار والأنهار، وإذا هطل المطر وحل الربيع في الأراضي الصحراوية، خرج الناس لرؤية الوديان والشعاب وهي تجري بالماء، وخيموا حول الغدران والقيعان للتمتع بمنظر الخضرة والماء.
بل إن فرعون حين غش الرعية، وادعى الربوبية، استدل بجريان الأنهار من تحت قصره على سعة ملكه وقدرته، مخادعة لقومه، ولولا ما في النفوس البشرية من محبة ذلك، والاستدلال به على النعيم، لما استدل به فرعون اللئيم، الذي كفر نعمة الله ـ تعالى ـ إذ رزقه، وهتك ستر نفسه حين ستره، «ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون» (الزخرف: 51).
والله ـ تعالى ـ خالق البشر، وهو ـ سبحانه ـ يعلم جبلتهم في تمتعهم برؤية الماء وجريانه، ولذا وعدهم على إيمانهم وعملهم الصالح جنات تجري من تحتها الأنهار في نحو من أربعين موضعا في القرآن الكريم، «وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار» (البقرة: 25)، «لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار» (الزمر: 20)، «إن المتقين في جنات ونهر» (القمر: 54).
والأصل أن الأنهار تجري بالماء، وماء الجنة ليس كماء الدنيا عذوبة وصفاء، ولذة ونفعا، وفي الجنة أنهار أخرى على غير ما عهد البشر وعرفوا، وهي المذكورة في قول الله ـ تعالى ـ: «مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى» (محمد: 15).
فذكر ـ سبحانه ـ هذه الأجناس الأربعة، ونفى عن كل واحد منها الآفة التي تعرض له في الدنيا، فآفة الماء أن يأسن من طول مكثه، وآفة اللبن أن يتغير طعمه إلى الحموضة، وآفة الخمر كراهة مذاقها، وآفة العسل عدم تصفيته، وهذا من آيات الرب ـ تعالى ـ أن تجري أنهار من أجناس لم تجر العادة في الدنيا بإجرائها، ويجريها في غير أخدود، وينفي عنها الآفات التي تمنع كمال اللذة بها.
وهذه الأنهار الأربعة جاء ذكرها في حديث معاوية بن حيدة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إن في الجنة بحر الماء، وبحر العسل، وبحر اللبن، وبحر الخمر، ثم تشقق الأنهار بعد)، رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
فتأملوا ـ رحمكم الله تعالى ـ اجتماع هذه الأنهار الأربعة، التي هي أفضل أشربة الناس، فنهر الماء لشربهم وطهورهم، ونهر اللبن لقوتهم وغذائهم، ونهر الخمر للذتهم وسرورهم، ونهر العسل لشفائهم ومنفعتهم، وثبت في الصحيح أن أنهار الجنة تتفجر من أعلاها، من الفردوس الأعلى من الجنة، وتنحدر إلى باقي درجاتها، كما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة)، رواه البخاري.
والكوثر نهر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنعم الله ـ تعالى ـ به عليه، «إنا أعطيناك الكوثر» (الكوثر: 1)، ويصب في حوضه ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم القيامة، فيسقي منه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من لم يبدل ولم يغير من أمته، وقد رآه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليلة المعراج في الجنة، فوصفه قائلا: (بينما أنا أسير في الجنة، إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طينه ـ أو طيبه ـ مسك أذفر)، وفي رواية: (شاطئاه عليه در مجوف، آنيته كعدد النجوم)، وفي رواية: (عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب يده فإذا هو مسك أذفر، قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك)، رواه البخاري.
نسأل الله تعالى أن يدخلنا الجنة برحمته، وأن يعيننا على عمل أهلها، وأن يجنبنا أسباب حرمانها، إنه سميع مجيب.





زائر
عدد الأحرف المتبقية
   =   

تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة
  إقرأ في عدد اليوم
  الأيام "واتساب"

المواضيع الأكثر قراءة

هل تؤيّد ما ذهبت له دراسة حديثة بأن انتاجية الموظّف البحريني 42 دقيقة فقط في «اليوم الواحد»؟