النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10479 الأحد 17 ديسمبر 2017 الموافق 29 ربيع الأول 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    2:29PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

في الحكم والمشورة

رابط مختصر
العدد 7999 السبت 5 مارس 2011 الموافق 30 ربيع الأول 1432هـ
يقال إن العدل أساس الملك، وإذا أراد الحاكم أن يكون عادلا، فعليه بتعيين البطانة الصالحة، فهي خير معين له في اتخاذ الصائب من القرارات، وإذا كانت البطانة فاسدة، فطبيعي أن تكون قرارات الحاكم سيئة وليس فيها مصلحة الشعب والأفراد، وإنما مصلحة من أعانوه فقط على اتخاذ مثل هذه القرارات. فالبطانة السيئة لا يهمها سوى نفسها، ولنا أن ننظر كيف انهار النظام الحاكم في مصر بفعل البطانة الفاسدة. عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي -صلى الله عليه وسلم - قال: (ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، فالمعصوم من عصم الله تعالى).. هذا ما بينه رسول الله، فلا نبي ولا خليفة، إلا يقع بين دواعي بطانتين. ومن هنا كان القول المأثور: «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه». فالرسول عليه الصلاة والسلام حثنا على اختيار الجليس والخليل والصاحب والبطانة: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»، فالسلف الصالح كان أشد حرصا على الأنس بالجليس الصالح، والصاحب التقي، الذي يعين على الخير. وفي يوم من أيام الأزمان الغابرة، استدعى أحد السلاطين ثلاثة من وزرائه ليستشيرهم في أمر عاجل يخص شعبه، وتعلق هذا الأمر برؤية جاءته في المنام حينما رأى أن الأرض لن تأتي بزرع بعد حين، والسماء ستضن بالمطر والخير سيحرم على أهل البلاد. فكان رد الوزير الأول، انه يجب أن يعمل الجميع بجد واجتهاد خلال الفترة الحالية حتى يتم تخزين مياه الأمطار الحالية وجزء كبير من المحصول لأيام الكرب القادمة والتي توقعها السلطان فى منامه. ورد الوزير الثاني بأنه لا يجب أن يتعب الشعب كثيرا وان يكتفوا بزراعة المحصول مرة ونصف حتى يوفروا الفائض للأيام المقفرة المقبلة، أما الماء سيأتي لان المطر قادم ولا شأن لنا به. إما الوزير الثالث، فابلغ السلطان انه مجرد حلم وسيذهب إلى حاله، فلا داعي للنكد والعمل والتنغيص على السلطان بأوهام والشعب بأحلام لا يعلم حقيقتها احد. ومرت الأيام والسنين، وتحقق الحلم، وضنت الأرض بمحاصيلها وأبت السماء ان تمطر، فجئ بالوزير الأول إلى السلطان حيث كافأه بخيرات ونعم كثيرة على أمانته واجتهاده فى نصيحته، أما الوزير الثاني، فكان نصيبه اقل، حتى جيء بالوزير الثالث فأمر السلطان بحبسه حبسا انفراديا، حتى يستفيق من غفلته، فهو لم يفكر ولم يكن أمينا في النصيحة، فخاب رجاؤه. وهنا تذكر السلطان القول المأثور: (اللهم يسر لي جليسا صالحا)، لأن الجليس الصالح يذكّرك إذا غفلت، ويعينك إذا تذكرت. فالحاكم البصير هو من يضم إليه بطانة الخير والحق، فالسعيد من رزق مع الولاية البطانة الصالحة التي تذكره إذا نسي وتعينه على الخير وتنهاه عن الشر. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزير صدق، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه). وإذا كان لكل حاكم بطانة، ولكل أمير ونيس، فالبطانة والونيس هم المستشارون والوزراء المقربون عيون الحاكم وحلقة الوصل بينه وبين شعبه وجمهوره. والبطانة أو الونيس توصل إلى الحاكم كل الأمور التي يصعب عليه أن يحصرها أو يطلع عليها بنفسه سواء لقلة وقته أو بحكم صعوبة الحركة، نظرا لمسئولياته الجسام. فالمستشارون أو البطانة، هم هؤلاء الرجال الذين يفترض فيهم الإخلاص والأمانة والتقوى والإصلاح. فمشورة الصالح والتقي والأمين والمخلص تأتي بالقرار الرشيد والرأي السديد، ومن ثم تكون النتيجة لتلك المشورة هي النتيجة المرجوة، لأن الأصل في الاستشارة الأمانة، والإشارة بالأصلح، لقوله صلى الله عليه وسلم: «المستشار مؤتمن». وفي الحديث: «من استشاره أخوه المسلم فأشار عليه بغير رشد فقد خانه»، فلينظر كل حاكم وأمير ومسئول فيمن وثق، وبمن استرشد، فكل امرئ يحشر مع بطانته المختارة. بيد أن هذا لا يلغي مهمة الحكم الرشيد، وهي أن يكون نظامه قائما على ضمان المصالح الحيوية لكل أفراد الشعب. فالحكيم هو الذي يتابع شئون الحكم عبر الاستشارة والمشورة. وهذا لا يلغي مصداقية الحاكم الرشيد، لأنه وثق في صاحب الاقتراح الذي يقدم مشورة أمينة، وهنا تبقى عظمة القائد في الإنصات بعقل لا يلغي قلبا، ليكون القرار محايدا وحكيما وصائبا، يستفيد منه الجميع ولا يجني على احد. ليس أمامنا سوى ضرورة اختيار البطانة الصالحة، فهي العين الساهرة واليد الممتدة بالخير إلينا، حتى يدرك الحاكم العادل العدالة بعقله وبطانته الأمينة، لأن الحكمة تقتضي أيضا توسيع دائرة الأوفياء لا الخصوم كما ذكر الأمير الأموي. فالصالحون يصلون بين الحاكم وشعبه، أما السيئون الفاسدون فهم الذين يصنعون من حول الحاكم سورا ويعلون في وجهه جدارا يفصل بينه وبين شعبه، وهذا ما ليس في طبع العادلين ولا في طبيعة العدل. ومن هذا المنطلق، أقول إن تكليف حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى حفظه الله ورعاه لنائب رئيس الوزراء معالي الأستاذ جواد بن سالم العريض بتشكيل لجنة خاصة لمعرفة أسباب بعض الأحداث المؤسفة التي رافقت بداية التظاهرات في البحرين، لم يكن سوى استشارة ايجابية. فالتكليف هو توجيه لمعرفة أسباب تلك الأحداث وما صاحبها من أمور آلمتنا جميعا. وجلالة الملك حمد وهو يوجه بهذا التكليف، فانه يطلب المشورة أيضا، من اجل الحفاظ على شعب البحرين الذي سيظل شعبا واحدا متآزرا من اجل نهضة الوطن ووحدته، فلا صلاح لوطن ما لم يكن جميع أفراده أقوياء بتكاتفهم وتعاضدهم لكي يعيشوا فى امن وسلام. اللهم اهدنا إلى الصراط المستقيم وآتنا من أمرنا رشدا إنك نعم المولى ونعم النصير. وليحفظ الله بلادنا وبلاد المسلمين كافة، من شرور الفتن ما ظهر منها وما بطن وارزق مليكنا حمد بن عيسى حفظه الله البطانة الصالحة التي تعينه لما فيه صالح البلاد والعباد.

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا