النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10477 الجمعة 15 ديسمبر 2017 الموافق 27 ربيع الأول 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    2:29PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

عباس بيضون يحجز «بطاقة - موت - لشخصين»

الكلمــات التــي تسمــي المــوت صارتــه تقريبــاً

رابط مختصر
العدد 7971 السبت 5 فبراير 2011 الموافق 2 ربيع الأول 1432 هـ
اللغة جلد، كما يستشعرها رولان بارت. بمعنى أنها طبع. وعلى هذا الأساس يتشكل الكون الشعري لعباس بيضون، الذي يتعاطاها كفعل لذات مستقلة، حيث تنكتب نصوصه عبر ما يمكن الإصطلاح عليها بالكلمات المفكِّرة. ومن خلال ارتداده العمودي إلى أعماق روحه ليؤسس مستوى الصوغ. إذ لا يكتفي باستخدامها كوسيلة لتوليد المجازات، وصنع الأخيلة الشعرية، بل ينحاز بها عن وظائفيتها ووصفيتها ليحيلها إلى مدارات للتفكير، ليُبقي على صلابة الفكرة وحدة حوافها، رغم ما يلقيه عليها من ظلال الكلمات الشاعرية الكثيفة. وهو ما يعني أن تعبيراته اللفظية تتلازم حد التطابق مع ما يتجلى من أفكاره. وهنا مكمن وعيه الشعري، أي في التوتر الناشيء من الصراع بين رهافة لغته وموضوعية الفكرة التي يتبناها. حيث يؤكد إقتداره على تنصيص خبراته الحياتية وتمريرها في كلمات عصبها التفكير. الشعر إذاً، هو الشكل الذي أراده للتعبير عن خبراته وتجاربه. وتلك هي طريقته للتفكير من خلاله، أي تشييد النص بألفاظ حسّية معاشة، مقدودة من صلب الحياة. وعرض العالم أو ترميزه بسيل من الصور الشعرية، التي تتدافع جملة إثر جملة لتشير إليه، وتقوّي رؤيته لذاته. ففي مجموعته "بطاقة لشخصين" الصادرة عن دار الساقي، يتأمل معنى الحياة على إيقاع ما يستتشعره من اضمحلالها البطئ، وكأن ذاته تنسل من النصوص وتتمثل حضورها في زمن آخر، الأمر الذي يكشف عن سر إنكتاب أغلب مفاصل المجموعة بصيغة الماضي، كما يعبّر عن ذلك الهاجس بعبارات تنم عن إنقضاء الوقت المتاح لكائن "يستيقظ...فيجد الحياة هربت...يستيقظ كالعادة...فيجد الحياة هربت...لكن الأمر لا يهم...هناك قطع غيار بديلة". هذا الإحساس المترسّب في مجرى عباراته، هو ما يفسر منزعه الواضح لفهرسة ما عاشه، وتبريره للنصوص في مفردة أو موضوع "الموت" الذي يأتي برأيه "متأخراً ويلوم الجميع". وهو مآل يوّلد بدوره منظومة من تداعيات الأفول "الشيخوخة، والمرض، والصداقة، والألم، والشباب، والذكريات، والحب، والقبر" حيث يتصل نفسيًا بكل ما يساعدنا، من منظوره "على اجتياز هذه المنطقة الخالية من الريح". كما يتحد حسّياً بمفردات "الصيدلية، والجسد، والقلب، والرئة، والشرايين، والأضلاع، والأدوية" التي تطل كريزومات تحف بـ"مفردة/موضوع" الموت، وتنزرع بعمق في سياقات نصوصه، والأهم أنها تنكتب من ذات متلاشية ومستيقظة في آن، أي من تفكير مردوم بوابل من التصويرات الفطنة، كما يعبر عن إنتباهته بعبارات صريحة "الرأس مكتب مضاء...وفي الحقيقة لا يزال يعمل". وعلى الأرجح، إنه يكتب لكي لا يموت. يكتب ليكتشف ما يجهله عن ذاته -جسداً وروحاً- من خلال صاعق الموت. يكتب من عزلته المعلنة، التي بدونها لا يمكنه توثيق السيرة المروعة للموت. يكتب نصوصاً محقونة بطاقة إنسانية هائلة، لئلا يختنق جراء عدم رغبته في الكلام. وذلك هو شكل الصمت الضاج بالوساوس الجوانية، والتفكير في حيز النص، فبتصوره أنه "يمكن الكتابة بطرف العين...أو بالَّنَفس الذي لا تُسمع فيه كلمة...أو كتابة كلمة لا جواب لها...إلا الموت". وهكذا ينتج عن تلك المنادمة الذاتية مكتوباً يتأمله ويخاطبه كمرآة يتأمل من خلالها صيرورة وعيه، أو يدّون فاصلاً من سيرته "أيتها الصفحات العزيزة أنا أعرف بماذا ملأتك. لا يهم ما عشناه بالنسبة إلى حياة كاملة". إنه يكتب لأنه معني، على ما يبدو، بتشكيل وجود ذاتي جديد، لتعضيد الحالة المعنوية والتعبيرية لكائن يستشعر رغبته الغامضة في الموت، بعد فراق "بسّام حجار" كما يصف حيرته أو حسه المأساوي إزاء الموت، إثر ذلك الفقد المباغت، بعبارات تنم عن الذهول والعجز "منذ توفّي بسّام وأنا لا أعرف كيف أُصرّف هذه المسألة". أو كما يستدعي مآله بألم ممض "ماذا فعل السرطان بخد بسّام". ثم يستذكر الصديق المبدع "الذي كان يؤلف الجُمل التي يريدها بأي حرف كان...وبأول كلمة تخطر". بنبرة نعي خفيضة، وإيقاع طنان، تحدث عباس عن بسّام راثياً ومستذكراً ومتأملاً، كمن يتحدث إلى نفسه وعنها "أردت أن تسير كما تفكر...وحيداً وواضحاً وهادئاً" حتى وهو يصف طريقته في الكتابة "كان يجد بسهولة ما يريده. لديه من الجمل قدر ما لديه من الأفكار. أفكار قليلة لجمل قليلة". وكأنه يؤكد من خلال تلك الإستدعاءات الكلامية المؤلمة أن موته، أصابه ببعض الموت المؤجل، أو هذا ما يراود به ذاته. وهنا مكمن عنوان المجموعة "بطاقة لشخصين" ومغزاه، فهو يريد أن يحجز لنفسه مكاناً بمعيته في بطاقة الموت تلك، حيث يمنّي نفسه بالتماوت "يستحسن أن نموت قليلاً مع الموتى...أن نتناوم ليرحلوا في غفلة منا...يستحسن أن لا نراهم وهم يتحولون...ويسلمون أنفسهم لأمير الظلام...يستحسن أن لا ننظر إلى الموتى...نطردهم من الفكر لكنهم يعودون...إلى المكان نفسه، إنهم يحترمون المسافة" هذا يفسر، حسب بيضون "أن الباص الذي سيحمل الجميع لا زال متوقفاً في السماء...ثمة بقعة بيضاء تحته بالضبط". وهو – أي عباس- على قائمة الإنتظار، ينصّص فلسفة وجوده، ويدوزن ما تبقى من حياته إزاء لغز الموت. يتأهب للحظة الإنتقال من الـ"هنا" إلى الـ"هناك". يدّونها على طريقته في التفكير داخل الكلمات "نسافر مع كتاب. إنه يقول إن التحضير للموت يتطلب وقتاً أطول من الحياة. الموتى يفضلون أن يسافروا في كتاب". أو هكذا يغادر مجازياً إلى الزمان والمكان الآخر، إلى "هذا الخلاء الذي لا يطيقه...إلا الموتى والكتب...الأموات الذين يأتون كاملين...بأجسادهم التي لم يتطرق إليها الفساد". يسافر بمخياله وكلماته التي تحمله إلى ضفة الموت ليكتب من هناك، وكأنه يتذكر ما عاشه بأثر رجعي "كانت هنا حياة أخرى ولا تحتاج لأكثر من فهرسة صحيحة وترتيب مقبول". هكذا تسيل كلماته على كل ما يفكر فيه فيتشكل المعنى، بدون أن يترك أي مسافة بين نصه وما يقوله، إذ يبث تصويراته الموجعة بما يشبه التجسيد الحي للأحاسيس، وكأنه يريد الإستمساك بها من خلال لغته المتوّلدة من حركية داخلية قابلة للاستشعار. وتلك هي دمغته الفردية للتعبير بنثرية خالصة عن مكنوناته، كما يتبين من قدرته على إنتاء الفكرة على قشرة عباراته الرقيقة، ودمج شاعريتة باللغة، لتحويل النص إلى لافتات إشراقية "الكلمات التي تسمي الموت صارته تقريباً...لكن مع قليل من المجاز". كما تتجلى مهارته أيضاً في إعادة كل ما هو نثري إلى مكمن شاعريته "من يملك أثاثاً جميلاً لا يحتاج إلى ذكريات". وأحياناً يمرّر صورة شعرية وهي تتحلل قبالة العين في مشهدية ملذوذة "لا شيء أقرب من الغرق في جرعة واحدة". فيما يلجأ أحياناً أخرى إلى التلفظ بما تحت النظام السطحي للنص لإبراز معانيه المكتنزة "يمكن أن نفكر في الحب كعضلة نحتاج إلى الكثير لتثبيتها في الجسم".
المصدر: رؤى - محمد العباس:

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا