النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10476 الخميس 14 ديسمبر 2017 الموافق 26 ربيع الأول 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

نقطة دم

رابط مختصر
العدد 7940 الاربعاء 5 يناير 2011 الموافق 30 محرم 1431هـ
قال الأخطل الصغير «بشارة عبدالله الخوري» في قصيدته «وردة من دمنا»: سائل العلياء عنا والزمانا هل خفرنا ذمة مذ عرفانا المروءات التي عاشت بنا لم تزل تجري سعيرا في دمانا ضحك المجد لنا لما رآنا بدم الأبطال مصبوغا لوانا نقطة دم قد تنقذ روحا هي بحاجة إليها، والدماء التي تجري في عروقنا هي أمانة أودعها الله جلت قدرته لبقاء النوع والحياة فينا؛ والشهداء من أمتنا «آل ياسر» و«حمزة» وشهداء أحد، «وعمر»، و«عثمان» و«علي» و«الحسن» والعباس» و«الحسين» و«رقية» و«زين العابدين» و«علي الأكبر» خضبوا بدمائهم تاريخا من النضال نحو استقامة العقيدة والذود عن حمى الإسلام ومبادئه. و كان الدم هو عنوان الشهادة، واليوم شهداء في كل مكان من عالمنا الإسلامي والعربي، ونرمز لهم بالدم. فالدم أكسير الحياة، والبحرينيون يدركون قيمة الدم وما يرمز إليه. وقد أفرحني تصريح وزير الصحة الدكتور فيصل بن يعقوب الحمر الذي أوردته الزميلة «البلاد» وذكر فيه أن حملات التبرع بالدم والمتبرعين خلال فترة عاشوراء المحرم، حيث أثبتت سجلات وزارة الصحة لحملات الدم من خلال 36 حملة دينية، انها استطاعت جمع 40% من مخزون الدم لبنك الدم المركزي خلال عام 2010م، ويشير الدكتور فيصل في تصريحه إلى أن «هذا الأمر يعد معيارا ومؤشرا للوعي المجتمعي في تزويد محتاجي الدم بما يحتاجون إليه من أكياس دم مجانا في تطوع إنساني وصلت فيه البحرين إلى مراكز لم تصل إليها الدول الأخرى، فهي تعد الآن أول دولة خليجية وعربية تحظى باكتفاء ذاتي من حاجتها إلى الدم من خلال المتبرعين». وتعود بي الذاكرة إلى مواقف شهدتها كان الدم محورا أساسيا فيها فقد كانت وزارة الصحة، وتحديدا بنك الدم يلجأ إلى الإذاعة لحث الناس على التبرع بالدم لحالة في مستشفى النعيم أو السلمانية بحاجة إلى فصيلة معينة من الدم لإنقاذ روح بشرية تعاني نقصا حادا في هذه الفصيلة، ولم تكن لدينا وقتها صحف يومية، أو مسجات» أو هواتف نقالة ولا «بلاك بيري»، ولا «زاجل» ولا «خبر عاجل»، ولا «مهند جروب» ويتسابق الناس إلى بنك الدم للتبرع من واقع مسؤولية وطنية عرف بها أهل البحرين. ولما نشأ التلفزيون، وجدت وزارة الصحة وقتها وسيلة فعالة وسريعة يمكن من خلالها توجيه نداء استغاثة للتبرع بالدم وكان يتم ذلك من خلال التنسيق بين إدارة التلفزيون في السبعينيات ووزارة الصحة ممثلة في بنك الدم، وكانت الأمور تسير بشكل طبيعي ومنسق في الحالات القصوى والضرورية والتي يقدرها طبعا الأطباء. وفي يوم من الأيام اتصل أحد الأطباء المعالجين بالتلفزيون وطلب توجيه نداء إلى المواطنين من خلال الشاشة للتبرع بفصيلة معينة للدم لحالة يستدعي إنقاذها على وجه السرعة، ومن نبرة صوت الطبيب وجديته والحالة النفسية التي هو فيها تمت الاستجابة لطلبه، وأوقف أحد البرامج التي كانت تبث على الهواء؛ ليتم الإعلان عن هذه الحاجة، وإذا الناس بمجرد أن سمعوا هذا النداء بدؤوا يتقاطرون على مستشفى السلمانية، رجالا ونساء وأطفالا، وتكدسوا أمام بنك الدم، وإذا العاملون في البنك ليس لديهم علم بهذا النداء ولم ينسق الطبيب معهم، وبدأ الهرج والمرج وبدأ الناس المتبرعون الذين استجابوا للنداء الاتصال بالتلفزيون لمعرفة حقيقة الأمر، وكان الجو مشحونا ومكهربا، ولم نتمكن من الاتصال بالطبيب صاحب النداء، لأنه كان يباشر إنقاذ مريضه، وبنك الدم لا يستطيع أن يلبي كل هذا العدد من المتبرعين، فلا الأكياس تكفي، ولا الموظفون بالأعداد المطلوبة متواجدين، لكي يأخذوا عينة من المتبرع قبل سحب الدم. فما كان منهم إلا الاعتذار وشكرهم على تلبية النداء. ومن يومها أصدرت وزارة الصحة تشديدا على الأطباء بأن لا يتم الإبلاغ عن نقص الدم إلا بالتنسيق مع البنك والجهة المسؤولة بالصحة، ولا يذيع التلفزيون أي نداء ما لم يكن مشفوعا بطلب رسمي من وزارة الصحة وبنك الدم. و في موقف آخر حدث في 67 عندما هاجمت إسرائيل العرب وجاءت الدعوات بضرورة التبرع بالدم لضحايا العدوان الإسرائيلي على الأراضي العربية ومنها طبعا المصرية والسورية والأردنية، فتسابق أهل البحرين للتبرع بالدم وهو أغلى وأسهل ما يملكون، وذهبنا إلى مستشفى النعيم، وإذا الأعداد الكبيرة من المتبرعين يغص بهم المستشفى وطوابير متراصة تنتظر دورها بفارغ الصبر، والكل يريد أن يؤدي واجبه، وعندما جاء دوري، وأخذ الممرض عينة من دمي قال لي: «أنت لا تستطيع أن تتبرع؛ فدمك على قدك، يكفيك للحياة» فذهبت وأنا محبط، ولكني سعيد بأن شاركت مع جموع البحرينيين وكانت نيتي وأخواني وأصدقائي صادقة، «وعلى نياتكم ترزقون»؛ فلا دم المتبرعين وصل ولا الأراضي وقتها استردت. واليوم أصبحت البحرين أكثر تنظيما في عملية التبرع بالدم فالمستشفى العسكري لديه قائمة بالمتبرعين، المستعدين دائما ومعروفة فصائل دمهم، والسلمانية لديها مخزون من خلال حملات التبرع بالدم التي تقوم بها الجمعيات والصناديق الخيرية وكذلك الراغبون من المواطنين بالتبرع، فالوعي أكثر، والإحساس بالمسؤولية وقيمة الدم باتت أمورا معروفة لدى أبناء البحرين، ولكن مع تعدد المستشفيات وتنوع الأمراض فالحاجة ماسة دوما إلى الدم، والأهم هو التأكد من سلامة المتبرعين وبالتالي ضمان فصائل الدم البعيدة من التلوث وأمراض الدم المعدية، وإذا كان الإنسان السليم يسير في حياته اليومية بشكل طبيعي ويأخذ الدم الذي يسري في عروقه كحالة مسلم بها، فليتذكر أن هناك من هو دائما بحاجة إلى هذه النعمة التي هو يتمتع بها وسيأتي اليوم الذي يطلب منه أن يتبرع لأهله أو أصدقائه أو أبناء وطنه، فليستعد لهذا اليوم، وليحافظ على هذه النعمة من التلوث. مع تمنياتي للجميع بعام ميلادي «2011» كله سعادة وهناء وأفراح وصحة دائمة. على الخير والمحبة نلتقي

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا