مع بدء الاستحقاق الانتخابي للمجلس النيابي 2010 تتصاعد هذه الأيام وتيرة الاستفادة من كل الإمكانيات المتاحة على الأرض لتحقيق المكاسب والمصالح الانتخابية، خاصة تلك الجمعيات والقوى التي لها تحالفات وامتدادات وأذرع أخطبوطية!، لذا يتم تجيّر المال، واستغلال المؤسسات، وإصدار الفتاوى، وإعداد القوائم (الإيمانية والإلهية) حسب المصالح السياسية والحزبية، فالمقاعد النيابية للجمعيات السياسية اليوم ـ وبعد مضي ثماني سنوات على التجربة البرلمانية ـ تعني الشيء الكثير، خاصة تلك التي ذاقت طعم المقعد البرلماني الوفير، وحلاوة الامتيازات النيابية!
على خلفية دعوة أحد الخطباء للمصلين لتناول الحلوى وشرب القهوة في مجلس أحد المترشحين أصدرت إدارة الأوقاف السنية والجعفرية بياناً تحذر فيه من استغلال المنابر ودور العبادة بملاحقها ومراكزها ومجالسها للدعاية الانتخابية، والمتابع للساحة السياسية هذه الأيام يجد أن تخوف إدارة الأوقاف السنية والجعفرية من استغلال البعض لدور العبادة للدعاية الانتخابية لم يأتي من فراغ، وذلك لسببين، الأول أن بعض الفعاليات السياسية اتجهت إلى دور العبادة، المساجد والجوامع والمآتم، لإقامة بعض الفعاليات الدينية، فبدأت بإقامة الحفلات الإنشادية، والمسابقات الصيفية، والبرامج التكريمية، واستضافة بعض الدعاة والمنشدين، وصدّرت إعلاناتها في الشوارع العامة وعند الإشارات المرورية بعبارة (الحضور الجماهيري)!!.
والسبب الثاني هو ما عانته الإدارتان (السنية والجعفرية) في الانتخابات الماضية 2006 حينما تم استغلال مجموعة من دور العبادة لمترشحين محسوبين على بعض القوى السياسية، مما جعل حالة من الاستياء الشعبي من هذه الممارسات التي تمارس باسم الدين، والدين منها براء.
الشكاوى الأخيرة والتي تحركت على إثرها الإدارتان جاءت بسبب التخوف من تحويل المنابر الدينية إلى منابر سياسية تتصارع فيه القوى المجتمعية للترويج لأفكارها السياسية ورؤاها المؤدلجة، فمنذ سنوات عدة ونحن نحذر من هذه الاستغلال البشع لدور العبادة، أو تجيّر المنابر الدينية لفئات دون أخرى، وهو استغلال وتجيّر إقصائي واستبعادي وتنفيري، وللخروج من هذه الأعراف الانتخابية الخاطئة التي تمارسها بعض الجمعيات والقوى فإن الواجب هو الإقرار بأن المساجد لله وحده:(وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا)[الجن:18]، فلا يحق لأحد أن يروج لأفكاره السياسية والانتخابية، أو يدعو لحزبه وجماعته، فهي أماكن مخصصة للوعظ والإرشاد والتوجيه، فإذا كان النبي (ص) قد حذر الفرد والمجتمع من البحث عن الضالة في المسجد حين قال: (إذا سمعتم من ينشد ضالته في المسجد فقولوا لا ردها الله عليك)، فكيف بمن جاء ببرنامج سياسي أو انتخابي أو حزبي داخل بيوت الله، أو حاول الترويج لبعض المترشحين لكسب أصوات الناس بشعارات دينية؟!
دور إدارة الأوقاف السنية والجعفرية خلال المرحلة القادمة كبير، لا يقف فقط عند إصدار البيانات ونشر التصريحات، بل يجب أن يتعدى ذلك بكثير، بمراقبة ما ينشر ويروج في دور العبادة، وهذه ليست دعوة لمحاصرة وتقييد دور العبادة بقدر ما هي ترشيد للخطاب المتشدد أيام الانتخابات، لذا عليها توعية الخطباء والأئمة والمؤذنين والقيمين على دور العبادة بأخذ الحيطة والحذر من استغلال دور العبادة، وعدم السماح بتحويل دور العبادة إلى ممخيمات دعائية، بلصق الإعلانات والبيانات والصور الانتخابية، فتزكية جماعة أو جمعية على غيرها هو بالتأكيد أسفين فتنة، وشرارة صراع بين أبناء المنطقة الواحدة!.
الخطاب الديني يجب أن يكون بعيداً عن الاستغلال الانتخابي، وليس معنى ذلك فصل الدين عن الدولة كما يحاول البعض تصويره في أذهان البسطاء من الناس، ولكن يجب أن تفصل العملية الانتخابية الدنيوية عن دور العبادة التي هي دار لتأكيد العلاقة بين العبد وربه، فهل تعي الجمعيات والقوى خطورة استغلال الدين لمكاسب سياسية؟!