لم يكد لبنان - البلد و الشعب - يخرج من حفرة حتى يقع في اخرى اكثر هوة من الاولى، والسبب الرئيسي في ظني مرجعه هو كثرة التصريحات التي يعشقها السياسيون اللبنانيون، ويعيش عليها الصحفيون والاعلام اللبناني. فما من حديث يدلي بها سياسي لبناني والا تجده متضمنا تحذيرا لهذه الجهة او ذاك الحزب او السياسي الفلاني. ومن السهولة بمكان حينما نقرأ اي حوار لسياسيي لبنان ، ان نرصد بلا ارهاق تعبيرات تنم عن تحريض ضد الدولة ومصالحها او استكبار على قيادتها وحكومتها. ناهيك عن توقع حدوث فتنة و اغتيالات وخوف من العودة الى الماضي البغيض في لبنان بحربه الاهلية المشؤومة.
فهكذا يعيش لبنان حتى بعد انتهاء فترة التوتر بين احزابه واطيافه السياسية والتي اخرت تشكيل الحكومة الى ما بعد اتفاق الدوحة وتدخل المملكة العربية السعودية بثقل خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز والقيادة السورية ممثلة في الرئيس بشار الاسد، في اشارة الى ما يسمى بـ (س س) اي السعودية وسوريا.
فاجواء الاحتقان تتصاعد في لبنان وتزيد معها الحملات السياسية التي ترمي بكل اثقالها السياسية على انتاج حكومة سعد الحريري، وهي الحكومة التي تمر بازمة هي الاخرى كنتيجة مرتبطة حتما بهذا الاحتقان.
ومن هنا، جاءت تدخلات الرئيس ميشال سليمان كموقف جاد ومطلوب في الوقت المناسب ، ليس من اجل تهدئة هذه الاجواء الملتهبة بفعل حر الصيف وانما تلتهب بسبب التلاسن السياسي. فالرئيس اللبناني على قناعة تامة بأن التهدئة هي السبيل الوحيد لحماية لبنان واوضاعه الداخلية من الاستهدافات الخارجية التي لا تزال تهدد لبنان من وقت لاخر.
فمثل هذه التوترات لم تعد مجرد مادة خصبة للاعلام ، ولكنها دفعت بسفراء دول الاتحاد الاوروبي المعتمدين لدى لبنان الى عقد اجتماع عاجل مؤخرا وابدوا انزعاجهم من تعاظم موجة التوتر الداخلي.. خاصة مع اعلان ( قوي 14 آذار) انزعاجها من المواقف الاخيرة للسيد حسن نصر الله زعيم حزب الله، على اعتبار انها اعادت البلاد الى اجواء التشنج والقلق وتلميحات بتحريض صريح على الفتنة والعنف والدعوة الى تغيير قواعد اللعبة. وارى هنا التركيز على موقف فرنسا ممثلا في وزير خارجيتها برنار كوشنير الذي دعا اللبنانيين الى تفادي التصعيد والابتعاد عن كل ما من شأنه زيادة توتر الاوضاع والتي تتعلق بالقرار الظني المرتقب للمحكمة الدولية بشأن اغتيال رئيس الوزراء الاسبق رفيق الحريري. فهذا الانزعاج الفرنسي لهو دليل قاطع على خروج البعض عن نطاق السيطرة وتعدد التهديدات التي تخرج من هنا وهناك على السنة الفرقاء اللبنانيين.
والسبب الرئيسي في تأزيم الاجواء في صيف لبنان اللهاب هو خطابا السيد حسن نصر الله وهجومه اللاذع للمحكمة الدولية ، مما اصاب بقية السياسيين فى بلاده بالقلق والتوتر ووصفه بانه يأخذ البلاد الى جو متشنج وانه منح نفسه القوة للتهديد بالعنف واستخدام السلاح من جديد في سياق انقلاب متجدد على الحكومة ، وبما يعتبر انقلابا من قبل حزب الله على اتفاق الدوحة 2008، فى بنديه المتعلقين بوقف حملة التخوين وبعدم استخدام السلاح لغايات سياسية. وكل هذا صحيح، ولا ننكر ان نصر الله شكك في حيادية لجنة التحقيق الدولية ، بيد ان نصر الله بدا في خطابيه المذكورين انه يتخلى عن لهجته المناصرة لسوريا حليفه القوي.. حتى ان المرء يحتار فى توصيف موقف نصر الله الاخير، فهو يكاد يكون مستمتعا باتهام المحكمة لسوريا طالما لم تصبه هو وحزبه بشيء. ومن هنا ستبرز خلال المرحلة المقبلة توترات غير مسبوقة في العلاقة بين دمشق وحزب الله على خلفية تصريحاته الاخيرة وقوله ان حزب الله هو الجهة التي يتم تركيب التهمة لها بعد تبرئة سوريا. ومن الطبيعي ان يستبق نصر الله اصدار المحكمة لقرارها المرتقب في غضون اشهر قليلة بالدفاع عن حزب الله، فهو يرى ان لجنة التحقيق (الامريكية الاسرائيلية) ذهبت منذ اليوم الاول الى فرضية واحدة وتوصلت الى اتهام وحكم محددين وذهبت لتبحث عن دليل.. وهذا يستدعي في رأي نصر الله ايضا الى تشكيل لجنة برلمانية او قضائية او امنية او وزارية لبناني للتحقيق في ملابسات مقبل رفيق الحريري.
هذا عن الخطأ الاول للسيد حسن نصر الله في اعتقادي، اما الخطأ الثاني فهو كشفه على الملأ لتفاصيل حديث شخصي دار بينه وبين سعد الحريري، كشف فيه ان رئيس الوزراء قد ابلغه بان القرار الظني للمحكمة الدولية سيتهم اشخاص ينتمون الى حزب الله بعد تبرئة السوريين. وهو الامر الذي اثار حفيظة الحريري وقوى 14 آذار. وبذلك يوسع نصر الله شبكة اعدائه ليضيف لهم حليفه القوي وهو سوريا، بعدما ابدى امتعاضا وغضبا شديدين لمعرفته مسبقا بنية المحكمة الدولية بتبرئة السوريين وتحميل حزب الله مسؤولية دم الحريري الاب. ومن هذا الخطأ، يرتكب نصر الله خطأ ثالثا وهو ، انه يفقد بذلك قوة دعم لا حد لها خاصة فى توريد الاسلحة له، وهي سوريا ايضا ، التي نجحت بقية الاطياف اللبنانية في استمالتها لتكون دمشق صاحبة مواقف معتدلة مع الجميع وتنأى بنفسها عن الشأن اللبناني الداخلي وتكتفي بعلاقات ندية بين دولة واخرى جارة لها.
وحسنا فعلت (قوى 14 آذار ) بابلاغ الجامعة العربية بالموقف كاملا عما يجري بداخل لبنان على اعتبار ان الجامعة رعت اتفاق الدوحة، وهذا من اجل استحضار موقف عربي مشترك لدعم الدولة اللبنانية في وجه من ينادون بتغيير قواعد اللعبة واستدعاء التدخل في المناطق المسيحية، وهذا على خلفية لقاء نصر الله وميشيل عون.
لقد توقفت كثيرا عند الوصف الفرنسي لما يجري في لبنان حاليا، حينما اعتبر ان اللبنانيين مغلوبين على امرهم في كثير من القضايا التي تخص الدولة وكيفية تعاطيها مع الاطراف في الداخل وممن هم في الخارج. ولعل هذا الوصف الفرنسي يقودنا الى مجموعة المطالب التي يجب على اللبنانيين كمواطنين التمسك بها، واعتقد ان اهمها ما يلي:
-ضرورة ترشيد الخطاب السياسي لوأد اية فتنة على الابواب.
-الابتعاد عن السجالات والتجاذبات السياسية، واعتبار ان كل فريق يخاطب فريقه فقط ولا يقصد الطرف الاخر.
-التحاور الهادئ والعقلاني لمنع اي انعكاسات سلبية خارجية على الساحة الداخلية.
-الابتعاد عن تجارب اثبتت خطورتها في السابق.
-ضرورة تأمين مناخات سياسية هادئة لتنشيط الحركة الاقتصادية.
-التفرغ لبحث ومعالجة الملفات الاجتماعية الملحة للبنانيين والتى تتطلب حلولا عاجلة.
-تعزيز الوفاق الداخلي وعدم استباق الاحداث بسجالات لا طائل منها ، وعدم استباق قرار المحكمة الدولية والانتظار لما ستصدره من احكام بدلا من اطلاق احكام جزافية والتشكيك فيها وعدم التجاوب مع الاعلام المغرض الذي يسوق الى حرب مقبلة.
وختاما.. اعتقد ان خيار اللبنانيين شعبا وقيادة لتجاوز مرحلة التجاذبات الحالية ينحصر في العودة الى الدولة بشروط الدولة وعلى ان تتحمل الدولة كسلطة سياسية بكل مستوياتها وقواها الامنية والعسكرية مسئولياتها في حماية السلم الاهلي من التهديدات التى لا يتردد اصحابها من البوح لسيناريوهاتها المختلفة وبموقف سياسي استراتيجي يعيد الاعتبار لهيبة القانون. ولعلي اعتقد في هذا السياق، ان حزب الله يمر بأزمة داخلية خطيرة دفعته زعيمه السيد حسن نصر الله الى القاء خطابين سريعين وهو في سبيله الى القاء الخطاب الثالث في سابقة لم يعرفها اللبنانيون عنه. وكل هذا ينم عن مدى قلق وتخوفه من الايام المقبلة، فحديثه وعلى غير العادة ايضا يشوبه الارتباك وتوجيه التهم واستباق الاحكام ، وهو لم يحتكم لسياسة التروي والهدوء المعروف عنه، في دلالة واضحة على قرب وقوع ازمة بينه وبين حلفائه الاقليميين، وهنا مكمن ضعف حزب الله.