النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10817 الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 الموافق 12 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

اليابـــــــــان والنــــــــازيــــــة

رابط مختصر
العدد 8632 الثلاثاء 27 نوفمبر 2012 الموافق 13 محرم 1434

لم يقتنع كل المثقفين اليابانيين بما جاء في كتاب «بروتوكولات حكماء صهيون»، وتصدى لنقد الكتّاب ودعاة نظرية المؤامرة والرد على أفكارهم، العديد من النقاد الليبراليين والمحافظين على حد سواء. أما أبرز هؤلاء النقاد وأعلاهم صوتاً فكان «يوشينو ساكوزو» Sakuzo (1878-1933). كان «ساكوزو» مؤلفاً وأستاذاً رفيعاً في العلوم السياسية، ومن الشخصيات البارزة في مرحلة «ديمقراطية تايشو» التي ازدهرت فيها الثقافة والحريات في اليابان بعد الحرب العالمية الأولى وقبيل هيمنة المتشددين القوميين والعسكريين التوسعيين. تحول «ساكوزو» إلى المسيحية وهو في المرحلة الثانوية، وسرعان ما أصبح شخصية بارزة في الحركة الاشتراكية المسيحية داخل اليابان. درس ساكوزو في جامعة طوكيو الملكية سنة 1904، ثم سافر بعد عامين إلى الصين كمربٍ لابن إحدى الشخصيات السياسية البارزة، ثم عاد إلى اليابان سنة 1909 ليقوم بتدريس القانون في الجامعة نفسها حتى سنة 1924. وكان قد أقام قبل ذلك ثلاث سنوات للدراسة في ألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة. وانهمك لدى عودته في كتابة المقالات التي تناقش مشاكل تطبيق الديمقراطية في الإدارة اليابانية الحكومية. ويرى البعض أن أهم مقال كتبه كان بعنوان «في معنى الحكومة الدستورية»، حيث انتقد فيه الاعتقاد الشعبي السائد آنذاك الذي كان يفضل «النموذج البروسي» لليابان، وأظهر أن الديمقراطية لا تتناقض مع سلطة الامبراطور وسيادة الملكية. وفي عام 1918، شارك ساكوزو مع آخرين في تأسيس جمعية Reimekiai «لدعم انتشار الأفكار الديمقراطية بين الناس». كان ساكوزو من أشد مناصري الحكومة البرلمانية و»حكومة الشعب» Minponshugi. ولذلك ناصر الانتخابات العامة، وفرض الرقابة المدنية على القوات المسلحة، وتعيين أعضاء مجلس الشيوخ بواسطة الشعب عن طريق الانتخابات، وتأسيس الدولة على مبادئ الاشتراكية تدريجياً. وكان هذا الخلط بين المسيحية والاشتراكية والديمقراطية والنقابية والأخلاق الكونفوشية من أسباب تشتت أنصاره، حيث استقطبت الأفكار الماركسية بعضهم ثم دخلت اليابان في مرحلة من الأزمات الاقتصادية والتعقيدات السياسية التي أجهضت حركته. (انظر: en.wikipedia.org والموسوعة البريطانية). تناول «ساكوزو» في مقال له عام 1921 نظريات المؤامرة التي يروج لها بعض العسكريين القادمين من سيبيريا. «عندما رأيت بعض الشخصيات اليابهة اليوم تقاوم الأفكار الجديدة، مستخدمة ألاعيب مضحكة، صار القلق ينتابني من المؤثرات التي قد تسيء إلى ثقافتنا، لذلك قررت ألا أسكت». ووصف ساكوزو كتاب البروتوكولات بأنه مجرد «عمل مزيف أساسه انحياز الغربيين ضد الماسونيين واليهود، كتب لإثارة الكراهية ضد البلشفية». وقال ان «بروتوكولات حكماء صهيون» عمل رجعي يهدف الى توحيد صفوف القوى اليمينية المحافظة ضد الليبرالية والتقدم والسلام. وقال مجادلاً انه لا يمكن لليهود أن يكتبوا شيئاً كهذا شديد الضرر بمصالحهم! شارك مفكر ياياني آخر، يميني الاتجاه «ميتسوكاوا كاميتارو» Kametaro ساكوزو نقده لفكرة المؤامرة اليهودية. ورغم اختلافه مع ساكوزو في قضايا كثيرة اخرى، فإنه اتفق معه على رفض نظرية المؤامرة اليهودية، حيث نشر عام 1929 كتاباً بعنوان «أكذوبة الخطر اليهودي». ولم تمنع مثل هذه المساعي الفكرية والأكاديمية رواج عداء اليابانيين المتحمسين لقوميتهم وللتوسع الآسيوي، ضد اليهود. وهكذا صار هذا العداء والتشهير، كما في ألمانيا ودول المحور الأخرى، من أركان دعاية الحرب اليابانية. ولا شك أن صعود الروح العسكرية وانهيار سوق الأسهم في نيويورك والأزمة الاقتصادية العالمية كانت قد ساهمت في دعم النظرية وتقوية شكوك قطاع واسع من اليابانيين باليهود. وكانت سياسة اليابان التوسعية في آسيا وانسحابها من عصبة الأمم المتحدة عام 1933 قد زادتها اقتراباً من ألمانيا النازية، وبذلك تبنت اليابان الكثير من عناصر السياسة النازية في إعلامها. كانت اليابان تشارك ألمانيا النازية عزلتها الدولية منذ أن بدأت هذه الأخيرة التمرد على مقررات مؤتمر فرساي. وفي داخل ألمانيا تعثرت ديمقراطية «جمهورية فايمار» مع اشتداد حدة الأزمة الاقتصادية وثقل الديون، وهكذا صعد النازيون. أما في اليابان، فكما رأينا، تراجعت «ديمقراطية عصر تايشو»، تحت تأثير الأزمات الاقتصادية والسياسية فصعد العسكر، وخُنقت الديمقراطية وإصلاحات عصر الميجي. انضمت اليابان إلى دول المحور في سبتمبر 1940، وكلما تعزز تحالفها مع ألمانيا النازية ارتفعت داخلها وفي حياتها الثقافية والإعلامية الأصوات المؤيدة لهتلر وحزبه، ودعا البعض إلى أن تعبر اليابان عن علاقتها الوثيقة بألمانيا عن طريق تبني «معاداة السامية» كسياسة قومية للبلاد، «فلو كان اليهودي بريئاً من هذه التهم لما عاداه هتلر والمجتمع الألماني»! غير أن الكثير من الأصوات الناقدة للنازية كانت تسمع حتى 1933، ومنها ما جاء في صحيفة «أساهي» يوم 1933/3/5، من نقد لاذع لسياسات اضطهاد اليهود في ألمانيا، وقالت الصحيفة: «لقد أسهم العالمان آينشتاين وهيبر في عظمة ألمانيا أكثر من مئة هتلر»! كما حذرت الصحيفة في أعداد أخرى من مخاطر السياسات النازية وأهدافها على أوروبا. وظهرت مقالات نقدية ضد النازية في المجلات اليابانية الثقافية، ومنها كتابات «كاتسموتو سيشيرو» الباحث الأدبي، وكتابات الناقد الأدبي رئيس التحرير السابق لصحيفة «جابان تايمز» «بابا تسونيغو»، والناشط الاشتراكي المسيحي «كاجاوا تويوهيكو»، والمصلح الاقتصادي «مينوبي ريوكيتشي»، والبروفيسور «كيو واكي جنيوكو» أستاذ الفلسفة في جامعة طوكيو الملكية، والمفكر «هوشي ريتشيرو». كانت كتابات النقاد والصحفيين اليابانيين عن النظام النازي الجديد في ألمانيا واضحة في أحيان كثيرة ولكنها محدودة الأفق. فقد غطوا انتخابات 5 مارس 1933، والهجوم المدمر الذي قام به النازيون على اليهود بعد فوز الحزب النازي في هذه الانتخابات، وكيف تطور الهجوم ليشمل الشيوعيين والعمال وبقية المعارضة، ولكنهم شككوا في دلالات الانتصار النازي وهوَّنوا من شأنه. وحلل بعضهم هذا الانتصار على ضوء فرضية تقول إن القيادة النازية صديقة للشركات الكبرى والرأسماليين، فلا يمكن إذن ولا يعقل أن تهاجم الرأسماليين اليهود، واعتبرها البعض مجرد لعبة وخداع. كما بالغوا من ناحية أخرى في قدرات خصوم الحزب النازي على مجابهته، وأن هؤلاء سينتصرون في النهاية عليه. ولم يكن هذا شأن الكتاب اليابانيين وحدهم. فالكثير من المفكرين الالمان توهموا ان هتلر لن يبقى في السلطة اكثر من ستة أسابيع، وأن فشلهم في الحكم وإدارة البلاد سينهي سلطانهم. ووقع الكتاب اليابانيون ضحية وهم آخر، إذ توهموا ان سقوط النازيين سيكون في مجال الاقتصاد. وأضافوا ان سياسات النازيين الاقتصادية جرت المانيا الى حافة الدمار، وعندما يدرك الشعب فشلهم في وعودهم.. سيتخلص من دكتاتوريتهم! لم يكن اليهود وحدهم ضحايا النازية بالطبع، فالكثيرون غيرهم من المفكرين الذين وقفوا ضد النازية نُفوا من ألمانيا وصودرت ممتلكاتهم، وأحرقت كتبهم. الياباني «كواواكي جنيوكو» أدان السياسات النازية وقال انها ستحطم الأمة الألمانية. كاتب ثانٍ هاجم بشدة السياسات العنصرية للنازيين وقال إنها مدمرة ومريضة، وأضاف «ينبغي تغيير عنوان كتاب شبنغلر من انحدار الحضارة الغربية إلى انحدار ألمانيا، لأن الانحراف نحو القومية العنصرية ببساطة نوع من التدمير الذاتي». الكاتب «يانيهارا» اعتبر النازية «حركة رجعية مضادة للاشتراكية والشيوعية». مع أواخر ثلاثينيات القرن، وتحكم هتلر وحزبه بمصير ألمانيا، ازداد التأثير الفكري للنازية على اليابان. فتمت ترجمة مذكرات هتلر «كفاحي» Mein Kampf سنة 1937، و»اسطورة القرن العشرين» لألفريد روزينبرغ سنة 1938، كما ظهر كتاب «الحرب بين اليهود واليابان» لألفريد ستوستز في العام نفسه. وازداد الاهتمام باليهود في الصحافة والمنشورات اليابانية، بل ظهرت دوريات متخصصة في هذا الشأن ومنها سلسلة «دراسات في قوى العالم السرية» التي ظهرت سنة 1936، وكانت صفحاتها ما بين 288 – 437 صفحة، وطبعت على الصفحة الأولى من الكتاب عبارات من قبيل «تناول الكتاب بحذر»Handle With Care، أو «سري جداً» Top Secret. ثم حلت محل هذه السلسلة مجموعة «دراسات يهودية» Yudaya Kenkyu التي بدأت بالصدور بشكل شهري ابتداء من مايو 1941. ومن نماذج كتابات هذه المرحلة مقدمة «يونيموتو سانجي» لترجمة كتاب «والتر بيرفتز» «أربعة آلاف عام من التاريخ اليهودي». «نحن على شيء من العلم بالدور الذي لعبه اليهود في التاريخ الحديث، وبخاصة في الثورة الفرنسية والثورة البلشفية. غير أننا عندما نتأمل الخونة اليهود الذين طعنوا ألمانيا من الخلف، خلال الأيام العصيبة من نهاية الحرب العالمية الأولى وما تلاها، لا يسعنا إلا أن نؤيد سياسات ألمانيا نحوهم اليوم». وهكذا ركز المترجم الياباني على «خيانة اليهود للألمان» وتغاضى عن الوحشية النازية في تعاملها مع اليهود وبقية المعارضة والشعوب. ولا نود هنا أن نتناول العلاقات بين الألمان واليهود، حيث كان التمييز ضدهم وتوجيه مختلف التهم إليهم ظاهرة تعود الى العصور الوسطى على أقل تقدير. فأقدم تاريخ موثق لليهود في برلين مثلاً يعود الى 1295، عندما كانت المدينة مجموعة من الاكواخ والسقائف. وتمنع هذه الوثيقة التاريخية النساجين الالمان من شراء صوفهم من اليهود. وعندما انتشر الطاعون في المدينة سنة 1348، اتهمت السلطات اليهود بأنهم وراء انتشار هذا الوباء، وتم طردهم من برلين، حيث تكرر هذا الطرد مراراً في مناسبات مختلفة، ثم كان يعاد يسمح لهم بالعودة إليها. ويبدأ تاريخ اليهود الحديث في برلين سنة 1671، عندما بدأ عددهم يتزايد فيها، بعكس رغبة السلطات. وحاول امبراطور المانيا فردريك العظيم ان يحد من تزايدهم، فأصدر قراراً بعدم السماح إلا لابن واحد في العائلة اليهودية بالزواج وتكوين أسرة. وألزم القرار هؤلاء الازواج اليهود بإطالة لحاهم، كما حرم عليهم الاشتغال بالزراعة والحرف اليدوية او المتاجرة بالجلود والاخشاب والفراء وبقية المواد. ولم تتحسن مكانة اليهود نظرياً إلا مع الثورة الفرنسية التي أعلنت شعار المساواة. ورغم أن المرسوم الملكي البروسي سنة 1812 منح يهود المانيا المواطنة الكاملة، إلا انهم لم ينالوا حقوقهم المدنية إلا مع وصول «بسمارك» واقرار دستور المانيا الموحدة سنة 1871. وكان المستشار البروسي الشهير يمول حروبه بالاقتراض من ممول يهودي يدعى جرسون بلا يتشرودر Bleichroder. ومن أقوال بسمارك «ان اليهود يجلبون الى الخليط الالماني المتعدد فقاعات شامبين لا ينبغى تجاهلها»! ومع بروز الطبقة الرأسمالية اليهودية وكبار أهل الحرف من بينهم، ازدادت مشاعر العداء ومورست أعمال شغب ضدهم، واعتبرهم الكثير من الألمان عنصراً غريباً طارئاً على الشعب، وشاعت عبارة عنصرية ضدهم اقتبسها وزير الثقافة النازي فيما بعد «جوبلز»، وهي «اليهود هم حظنا العاثر»، او Die Juden Sind Unser Ungluck. وعندما بدأت الحرب العالمية الاولى، وبعكس مزاعم النازيين، عبّر اليهود الالمان عن مشاعرهم الوطنية الالمانية بالاقبال على الالتحاق بالجيش كالآخرين. وقد دخل الجيش الالماني نحو مائة ألف يهودي، نحو سدس اليهود الالمان آنذاك، خدم ثمانون ألفاً منهم في الخطوط الامامية من الجبهة في الخنادق الموحلة، ونال 35 ألفاً منهم أنواط الشجاعة، وقُتل منهم 12 ألف عسكري! حارب اليهود الألمان في الواقع بشجاعة دفاعاً عن بلادهم، وكان عدد قتلاهم نسبياً أكثر من بقية الألمان. فقد كانت نسبة اليهود أقل من نصف بالمئة من الشعب الالماني بينما كانت نسبة القتلى في صفوفهم ثلاثة بالمئة من مجموعة قتلى الجبهات الالمانية. Before The Deluge, By Otto Friedrich, New York, 1972, P.108 - 10

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا