النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10756 الخميس 20 سبتمبر 2018 الموافق 10 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

إشكالية الحكم ومضمونه

رابط مختصر
العدد 8632 الثلاثاء 27 نوفمبر 2012 الموافق 13 محرم 1434

ما يزال البعض، وقد بهره المشهد العربي، يصرّ على أن ثورة عربية ديمقراطية قد أُنجزت ويأمل أن تكون قدوة في العالم الاسلامي، وهي في منظورهم وقد حققت أهدافها في التغيير، مدعوة لافساح الطريق أمام الشباب ليتولوا المسئولية في مجتمعاتهم والنظر إلى المستقبل وتحدياته. هوالاضطراب الذي أصاب بعضاً من الإنتلجنسيا العربية التي تبحث عن قمرٍ تتغزل به وترميه شعراً وأهازيج تعبيراً عن الحاجة للتنفيس عن ألم الواقع وخيباته. هؤلاء لا يريدون أن يروا أن أية ثورة لم تُنجز وأن البركان الذي انفجر لم يزحزح نظاما ً سياسياً أواقتصاديا أ واجتماعيا واحدا ً، إذا ما اسثنينا إسقاط النظام الليبي بحرب خارجية. والناس باقون في الميادين والشوارع، لكنهم يطالبون اليوم بأقل المطالب وهي الحماية من الغول الجديد الآتي من «الربيع». في تونس ومصر يدافع الناس عن حقهم في الحياة والتعبير وصون ما كان لهم من مكاسب واليمن كما هي ليبيا قبائل وميليشيات تتنازع وفقر يتعمق ومصير الوطن الموحّد إلى المجهول. في سوريا تُدكّ المدن والقرى ويُسال الدم على أيدي النظام والمعارضة و»كتائب الزنتان، والفاروق» والمغامرين القتلة من كل جنسية ولون. الإرادة الوطنية العربية إلى الحضيض فلا صوت ارتفع حين قصف الإسرائيليون مصنع الأسلحة في الخرطوم وغزة تواجه العدوان منفردة وخفَتَ الحماس لمطلب الفلسطينيين المتواضع في دولة غير عضو في الأمم المتحدة وتراجعت القضية الفلسطينية من بندٍ مستقل ومركزي في أجندة الدول العربية وجامعتها العتيدة إلى همسٍ في بعض الإجتماعات. في البعد الإقتصادي تراجعت اقتصاديات كل الدول ذات العلاقة بالربيع وتوسّع معدّل البطالة والفقر في مقابل الاستمرار في نهب قوتِ الشعوب والمال العام والإثراء المحرّم. لقد كان لمراهنة النُخب الليبرالية على الديمقراطية بمفهومها الشكلي بمعزل عن حاجة الشعب في الطعام والتنمية دوره في إزاحة بعض رموز الأنظمة ليحل مكانها رموزٌ وقوى أكثر تنظيماً تنكرت منذ اليوم الأول لدماء من انخرطوا في الحراك بآمال أبعد من « نزاهة صناديق الاقتراع» وتعديل الدستور. يتغنى البعض بوصول أول رئيس منتخب بغض النظر عن مضمون برامجه وامكانياته القيادية وحرية اختياراته وتحركاته. في مصر الدولة التي كانت وتبقى قاطرة العرب والمركز المحوري للشرق الأوسط وأفريقيا تبدو مؤسسة الرئاسة مشتتة ومرتبكة، تطلق التصريحات وتعود عنها، تقيل النائب العام وتعيده، وترسل خطاباً ودّياً للرئاسة الإسرائيلية وتنكره ثم تقرّ به وتبرّره، وتتحدث عن فلسطين وتتمسّك بكامب ديفيد بينما كان حزب السلطة هذه الأكثر صراخاً في هذا الشأن. ويبدو أن الإسلام السياسي بتلاوينه انتبه إلى جاذبية مطالب الحرية والديمقراطية فأحسن استغلالها مستفيدا من تشتت القوى الوطنية والتقدمية وضبابية النخب الليبرالية وانفصامها عن الواقع الإجتماعي، فضمّنها في شعاراته بعد أن كان خصماً لها من منطلق عقائدي، ووظفها أحسن توظيف، إلى جانب قدراته التنظيمية والمالية وعلاقاته الدولية، في قطف حصاد»الربيع» وبدَأ الهجومَ المعاكس لإفراغ محتوى هذا «الربيع» من مضامينه الإقتصادية والاجتماعية والسياسية. الذين وقعوا من قبل في فخ «الشكل» بدون «مضمون» حين دعوا للإصلاح السياسي والدستوري بدون ربط ذلك بالمحتوى الاجتماعي، يقعون الآن في نفس الفخ مرة أخرى بتعويلهم على تقديم النصائح والأمنيات إلى الحكّام الجدد بإعتبارهم منتخبين من الشعب، حيث يرون أن مشكلة هؤلاء الحكام تكمن في خطابهم السياسي وتصريحاتهم وليست في تبعيتهم الاقتصادية والسياسية. والواقع أن الخطابات الأيديولوجية للأنظمة السياسية كانت في معظم الأحوال وعلى مدى التاريخ كله تقريبا مجرد قناع من عبارات منمّقة عن الحرية والعدل تداري بها الأنظمة وجوهها الحقيقية. وهي في الواقع خطابات تُغوى قطاعات واسعة من الشعب وحتى القوى السياسية التي تدّعي انحيازها للعدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية وتحرير الاقتصاد والإرادة السياسية من التبعية. لا تقتصر هذه الظاهرة على القوى التي تولّت زمامَ الأمور في بعض البلاد العربية، بل هي تشمل العديد من حركات الإسلام السياسي والقوى السياسية الوصولية والمرتبطة بقوى المال والفساد. صحيح أن واقعاً جديداً تبلور منذ يناير من العام المنصرم وهوأن الجماهير العريضة انتفضت على واقعها المرّ وتحررت من خوفها وبرز الشباب كقوة فاعلة ورائدة في النضال في سبيل الحرية والعدالة الاجتماعية، وفُتحت آفاق واسعة لإجراء إصلاحات سياسية واجتماعية هامة في العديد من الدول العربية، إلا أن الحقيقة تُظهر بأن معظم التغييرات مسّت الشكل في البنية السياسية ولم تطل البنى الاقتصادية والاجتماعية، ولازالت الخطط الاقتصادية تُنسّق مع البنك الدولي والمُقرضين الأمريكيين، وما زال النهج قائما في الاعتماد على القروض الأجنبية بشروطها في ظل غياب برامج التنمية الحقيقية التي تنمّي القطاعات المنتجة وتعزز الاستقلال والسيادة الوطنية وتعالج مشاكل البطالة والفقر. هذه القوى لا تملك في الأصل برامج اقتصادية اجتماعية تنموية بديلة للسياسات الاقتصادية لأسلافهم من الحكام، بل هم من أنصار الاقتصاد الحر المنفلت من أية رقابة، كما أن عصبهم التنظيمي من أصحاب الملايين والكمبرادور، ويقيمون اقتصاداً ذاتياً يشمل مختلف أوجه الإستثمار بما فيه المضاربات دون أية رقابة لا من الجهات الرسمية ولا حتى من الأعضاء المنتسبين لهم. ليس بالإمكان أن تؤتمن قوى كهذه على اقتصادٍ وطني ولا على آمال الملايين من أتباعهم أومعارضيهم. لعلّ الآتي من الزمن بما يحمله من تطورات سيوضح صورة المشهد العربي ويزيل ما التبس ويعيدنا لادراك مدى ترابط الشكل والمضمون وأهمية الأخير في بلورة الشكل ورسم ملامحه وآفاقه فيكون للشعارات السياسية معناها وصدقيتها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا