النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10815 الأحد 18 نوفمبر 2018 الموافق 10 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

وعود برلمانية في أكفان زاهية

رابط مختصر
العدد 9318 الثلاثاء 14 أكتوبر 2014 الموافق 20 ذو الحجة 1435

مع وقع طبول الانتخابات القريبة المرتقبة وتفاعل الناس بالناس بين الترشح والتصويت وبين الاعلام والتربصات والتوقعات واستعدادات المؤسسات الحكومية لتنظيم العملية الانتخابية جاء يوم الوعود، يوم الوعد وهو أقرب إلى الوعيد في غالب ما تعرضه قائمة المترشحين، وعيد الخيبة (المنتظرة المتوقعة) من آمال الناخبين التي أفتتنت وكالمسحور إنجذبت إلى وعود ليست من سلطة المترشح إلى كرسي «سعادة النائب»، وتلك الوعود في معظمها وأبهى حللها ومزايينها خرجت من كهوف تحسين الحال تربصاً وسعياً إلى المال والجاه ورفع الهامة بين عموم الناس، تنبعث من مكنون الذات الأنانية الانتهازية وعود ميتة في أكفان زاهية، وعود تستغفل الموعود وتستهزئ بالعقول، وأصحاب الوعود أعجز من فهم حروف الكلمات فكيف بالجمل والنصوص وصيغ الوعود ذاتها، إنما هكذا وعود كوعد النجوم للفطيم. المترشح للبرلمان صوت واحد بين الأربعين، حتى وإن حازت رغبته على دعم الأكثرية فهي في حدود التشريع لا التنفيذ مروراً بدهاليز التغيير والتعديل قبل التصديق، وبين التصديق والتنفيذ مدى زمني قد يقصر أو يطول، وهذا هو الحال مع آليات ومخارج العمل البرلماني. وتحضيراً ليوم البث والنشر والعرض لمفاتن الوعود التي قد تفرش البساط الأحمر إلى مرابع كرسي «سعادة النائب» يستجمع المترشحون الهمم والفِكَرَ والاستعانة بأصحاب القلم والرأي لوضع نقاط الوعود على الحروف وصياغة الوعود في حُلَّةٍ زاهية فاتنة لا تخطؤ سهامها آمال وتوقعات الناخبين المُسْتَثْمَرِيْن، وخير استثمار هو الاستثمار في الغافل الأمين، هذا هو حال المتربصين من شريحة الانتهازيين الساعين إلى التربع على كرسي السلطة التشريعية. إن كراسي السلطة التشريعية، وهي ملك للشعب، تكتمل بعنصرها البشري المتمثل في من يختارهم الشعب، من أجل تدارس واقع الانسان في المجتمع وموقع الوطن بين الامم، ومراجعة المتوفر والقائم من البناء التشريعي في لبناته القانونية، من أجل تعديل القوانين المعتمدة والتي هي قيد التنفيذ واستنباط سلة من القوانين الإضافية التي هي في حكم الضرورات لرفع شأن الانسان في المجتمع ورفع هامة الوطن بين الأمم، هذه هي الضرورات التي تنتظرها كراسي السلطة التشريعية من الشعب في شخوص نوابه الذين أوصلهم إلى كراسي التفكر في حاجة الانسان والوطن إلى القوانين وضبط التنفيذ، وهذا الشعب الصادق الأمين، لا نرجو له أن يكون طُعْماً غافلاً للاستثمار الانتهازي والطائفي والفئوي، قد وضع كامل ثقته فيمن إنتخب وأوصل، وهو دائماً يعيش في فضاء التوقعات وإستثماره الوحيد هو ضمير «سعادة النائب»، إِنْ كان لهذا النائب ضمير فخير وإلّا فقل على إستثمار الناخب السلام وتكون الغربان قد طارت بفريستها. من المؤمل أن يكون المترشح صاحب ضمير إنساني حي، يحب الخَيْرَ لأبناء وطنه مثلما يحبّه لنفسه، وأن يكون غيوراً على وحدة وطنه لا تجرفه الجارفة إلى مهالك التشرذم الطائفي والقبلي، وعلى المترشح أن يكون صادقاً أميناً مع نفسه ومع الناخبين وأنه عندما يتقدم للترشح فإن الترشح مسؤولية وطنية ومساءلة من الناخب ومحاسبة من التاريخ القريب في مدى حياته وما بعد حياته وأن هذه المحاسبة في غالب الاحتمال أن تنال من سمعة خلفه إن خيراً أو شراً، فإن جعبة النائب لا تستوعب مفاتن الوعود لا في نوعها ولا في كَمِّهِا، إنما جعبته، إن كانت صادقة، هي مسؤوليات وطنية وجهود ذهنية وعملية من أجل التشريع المطلوب والفعّال والرقابة الأمينة والواقعية لا هذرات المزايدات لتلميع صورة ذاتٍ مهزوزة بكل شهيقها وزفيرها، لا وعود لا تطالها الايادي، وهي بمنطق الأشياء وواقع الحال وعود أكذب من كاذبة. هاجسنا أن يكون أصحاب الوعود البراقة والفضفاضة لا يفقهون شيئاً في أبجدية البرلمان ومسئولية السلطة التشريعية والعلاقة الوظيفية بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية، ناهيك عن قراءتهم وفهمهم لبنود الدستور، أما إذا كان المترشح على علم تام ودراية كافية بكل النصوص الدستورية ومقتضياتها ومخرجاتها وهو رغم هذه الميزة المطلوبة يستغفل المواطنين بوعود غير واقعية وغير ذات علاقة بالسلطة التشريعية، فإن مسعاه يَصْب في خانة الجريمة في حق الوطن. وشريحة من المترشحين يتشدق بإيمانيته الدينية في كسائها المذهبي ولسان حالهم ينادي بأنهم هم الفئة الناجية والمنجية، وهم بهذا التشدق في خصام مع الذات وسعي الى تشرذم الوطن إلى كهوف طائفية خانقة متناحرة. وهذه الشريحة هي التي تنكر وحدة الوطن وتستهويها المحاصصة السياسية المدمرة، وهي بهذا السعي المتشدق، والمُكَفِّرِ أحياناً، أقرب إلى خيانة الوطن والأمة، وجل برنامجهم الموعود هو إيمانيتهم الخالصة اللازمة لزوم الفرض على العباد، والعياذ بالله من شر إستغلال العقائد الطاهرة لأغراض سياسية أو انتهازية فردية رخيصة. السلطة التشريعية لا تملك سلطاناً، ولو باليسر العسير، على فلس من دينار الأمة، ولا على أصبع من أدوات التنفيذ، وهذه الحقيقة، في الاحتمال الاقوى، غائبة عن ذهن وفهم الناخب، وبمقتضى هذا الأمر فإنه من واجب ومسؤولية المترشح أن يكون ملماً إلماماً وافياً بحدود سلطانه على ضوء الدستور، ومفاصل قدراته بمقتضى موازين القوى القائمة في هذه المرحلة الفتية من عمر المشروع الإصلاحي في مسيرته البرلمانية. الوعد الواقعي، المجرد من طُعْمِ الوعود، أن يتعهد المترشح لكرسي «سعادة النائب» أنه سيعمل على دراسة وعرض قوانين مقترحة لصالح المواطن والوطن، وأن يعطي قائمة بتلك القوانين وشرح مقنع بجدوى تلك القوانين وكيف السبيل الى النجاح في مسعاه، إضافة إلى قائمة بالقوانين التي هي في حاجة إلى التعديل والتطوير، يمكن أن يضيف قائمة باقتراحات برغبة لسد حاجيات آنية لا تستدعي مفاصل القانون، وبخصوص الرقابة على السلطة التنفيذية، كيف يمكنه الدخول في هذا الممشى الوعر والحساس، وكيف يمكنه تحسين الأداء، أداءً ديمقراطياً لا أداءً كيدياً أو دعائياً، إذا اقتضت الضرورة وجهة الاستجواب كأداة فاعلة ومهمة من أدوات الرقابة. فحبل الوريد هو الانتخابات البرلمانية بين الناخب والمترشح، وصدق الروائي والمفكر البريطاني جورج أورويل عندما حذّر الناخبين قائلاً: «الشعب الذي ينتخب الفاسدين والانتهازيين والمحتالين والناهبين والخونة لا يعتبر ضحية، بل شريكاً في الجريمة». بالنتيجة فإن طُعْمَ الوعود، لكسب رضي الناخبين والاستحواذ على أصواتهم استثماراً انتهازياً، هي وعود أقرب إلى الكفن الزاهي، وهكذا سعي من المترشح هو أقرب إلى الخيانة العظمى.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا