النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10815 الأحد 18 نوفمبر 2018 الموافق 10 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

تسييس الإرهــاب يســاعــد علـــى انتشـــاره

رابط مختصر
العدد 9315 السبت 11 أكتوبر 2014 الموافق 17 ذو الحجة 1435

استوقفتني كتابات محللين عرب وغربيين يعللون ظهور داعش، بغياب الديموقراطية في عالمنا العربي، ولذلك هم يعارضون مواجهة داعش بالوسائل العسكرية وينادون بأولوية تطبيق الديموقراطية على محاربة الإرهاب بالعمل العسكري الذي يمكن أن يثمر نتيجة عكسية وفقاً لتصورهم، وهذا التعليل، يذكرني بالتعليل الذي كان يبرر به قبل 13 عاماً عندما ضربت القاعدة رموز الشموخ الأمريكي، حيث قال البعض أن الظاهرة الإرهابية مرتبطة بغياب الحريات وتعسف السلطات العربية وبطشها بالسجناء وبخاصة من أفراد الجماعات الإسلامية، أي أن الظاهرة الإرهابية، هي رد فعل على عنف الدولة وبطشها بالحريات. في تصوري أن هذه التعليلات، تخلط بين الأسباب العقيدية والأيدلوجية أي العوامل البنيوية الأساسية - لظاهرة الإرهاب، والدوافع السياسية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية التي تعد العوامل المساعدة، وذلك خلط معيب: منهجياً ومعرفياً، لا يعين على تفهم الظاهرة فهماً سليماً ولا على حسن تشخيصها وعلاجها، الإرهاب لا يصنعه "الاستبداد السياسي" ولا "البؤس الاجتماعي" ولا "المظالم الأمريكية والاسرائيلية" وكما يقول الكاتب محمد الحداد في مقالة متميزة "لا شك في أن الاستبداد والبؤس يدفعان إلى اليأس المؤدي بدوره إلى الإرهاب لكن لو اقتصر الأمر على هذا الجانب، لرأينا الإرهاب يتراجع في بلدان الثورات العربية التي فتحت أبواب الأمل في الديموقراطية والعدالة الاجتماعية، لكننا نرى العكس، فهذه البلدان تحديداً هي التي أصبحت أكبر ضحايا الإرهاب وأبرز مصنعيه ومصدريه واستفحل الإرهاب فيها إلى أن ذهبت الثورة ضحية من ضحاياه، نعم "العامل السياسي" عامل مساعد على تأجيج الإرهاب، لكنه غير مصنع له، فما يصنع الإرهاب هو "الثقافة" أي الطريقة التي يتعامل بها الناس مع التحديات التي تواجههم، فيمكن لمن يواجه الاستبداد أي يناضل من أجل الديموقراطية، كما حصل في أمريكا الجنوبية وأوروبا الشرقية، أما أن يقرر آلاف من الشباب أن يواجهوا ذلك بالانخراط في جيش داعش، فهذا يعني أن هناك "خللاً ثقافياً" يدفع باستمرار لمواجهة "مشاكل العصر" بحلول من "خارج العصر" وهي مبثوثة في مكتباتنا ومدارسنا وإعلامنا وخطبنا، تجعل هؤلاء يعيشون على حلم استعادة الخلافة. هل تنتهي ظاهرة الإرهاب بتحقيق الديموقراطية؟! إذن لماذا يسعى الآلاف من شباب المسلمين الذين يعيشون في بيئات ديموقراطية متقدمة في الغرب، إلى الالتحاق بداعش؟! أي مظلمة سياسية دفعتهم للانضمام إلى أبشع تنظيم إرهابي؟! وما تفسير دوافع أبناء الجاليات الإسلامية المقيمة في الغرب والذين تحولوا إلى مفجرين في مترو الأنفاق الحاشد بالمدنيين الأبرياء؟! هل هؤلاء عانوا تضييقاً في الحريات وقساوة في المعاملة أم هم كانوا مدللين في المجتمعات الأوروبية؟! لو كان تحقيق الديموقراطية، كافياً في معالجة فكر التطرف، لكان المتطرفون الذين أعتطهم بريطانيا كل حرياتهم وحقوقهم وآمنتهم من مطاردة بلدانهم، لكانوا هؤلاء شاكرين للجميل، غير ناكرين للفضل أو على أضعف الإيمان غير حاقدين على البلد الذي آواهم وآمنهم من خوف وأطعمهم من جوع؟! إن التطرف "فكر" و"ثقافة" لهما امتداد في تراثنا وتاريخنا الطويل إلى أيام الخوارج القدامى الذين خرجوا عن المجتمع الصحابي من غير أي مظلمة واقعة عليهم واستباحوا دماء المسلمين تحت شعار "الحاكمية" إن الدافع الأساسي المحرك لكافة التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها داعش، هو "عقيدة الكراهية" العميقة والمؤصلة في نفوسهم، لا "مظالم سياسية" يدعونها، أو يتذرع بها محللون ويرفعونها كقميص عثمان، بهدف الاستغلال السياسي والتكسب الشعبي وإدعاء الدفاع عن الحريات والنجومية وإثارة الجماهير ضد الأنظمة القائمة، إن تبرير الظاهرة الإرهابية بغياب الديموقراطية، نوع من "التسييس" الذي يساعد على تنامي الإرهاب وانتشاره عبر التظاهر بالبطولة والدفاع عن حقوق الشعوب، في مواجهة الأنظمة القائمة، وهؤلاء الذين يريدون "تسييس الإرهاب" بربطه بالمظالم الأمريكية وغياب الديموقراطية وقضية فلسطين، إنما يريدون خدمة أجندة أيدلوجية وحزبية ضيقة، هدفها الوصول إلى السلطة لا غير، إن أسباب الظاهرة الإرهابية العميقة، كامنة في نفسية وعقلية تكفيرية، قمعية اقصائية، تنظر إلى الآخرين من غير المنتمين، باستعلاء، باعتبارها مالكة للحقيقة المطلقة والضامنة، الجنة لأصحابها دون بقية الناس لقد قال المغربي الذي قتل المخرج الهولندي: لقد تصرفت انطلاقاً من معتقداتي الدينية، ولو أفرج عني لفعلتها ثانية! وقال لوالدة المخرج التي كانت تبكي في المحكمة: لا أستطيع أن اتعاطف معك لإنك كافرة!! هكذا تفعل عقيدة الكراهية في الإنسان حين تحوله إلى كائن لا قلب له! والغريب أن هؤلاء الذين ينادون بالديموقراطية حلاً للمشكل الإرهابي يناقضون أصحابه الذين يعتبرون قضايا حقوق الإنسان والديموقراطية، مفاهيم غربية كافرة، إذ يسعون إلى دولة دينية يحكمها خليفة مطلق السلطات لا محل فيها للحريات!. ختاماً: لا يمكن مواجهة الإرهاب إلا بتحصين عقول الشباب: ثقافياً ومعرفياً ودينياً بقيم التسامح وقبول الآخر والاعتدال والتنوير عبر تنقية المناهج من الغلو والاقصاء والكراهية، والانفتاح على الثقافات والفلسفات والفنون.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا