النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10814 السبت 17 نوفمبر 2018 الموافق 9 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27AM
  • المغرب
    4:48AM
  • العشاء
    6:18AM

كتاب الايام

الانتخابات بين المترشح و الناخب

رابط مختصر
العدد 9297 الثلاثاء 23 سبتمبر 2014 الموافق 28 ذو القعدة 1435

إن الانتخابات البرلمانية هي بمثابة القطار على سكة المشروع الإصلاحي في المسيرة المتواصلة و بهدي من خارطة النظام الديمقراطي المعمول به عالمياً، و عبر مسيرة الانسان في دروب إدارة الدول و شئون المواطنين يعتبر هو النظام المعياري الأمثل لإدارة الدول ؛ هذا النظام الذي يواصل رسم خارطة جديدة متطورة على مقاس العناصر المستجدة في معادلة بناء الوطن هو النظام الذي يعبر عنه المشروع الإصلاحي. تطرقنا في المقال السابق الى أهمية المشاركة في المهرجان الانتخابي و أبدينا ملاحظاتنا النقدية للذين اختاروا المقاطعة، و ذلك لا من موقع الهجوم و التهجم بل من موقع القناعة و المسئولية الوطنية و الحرص على أن يأخذ الجميع موقعه و مكانه في السلطة التشريعية، و هذه السلطة التشريعية لا تكتمل أركانها إلّا بمشاركة جميع القوى و الفئات التي تمثل الشرائح الكاملة للمواطنين على بسطة هذه الأرض الطيبة. يمكن النظر إلى العملية الانتخابية بكل عناصرها و أدواتها و وسائلها من زوايا متعددة مختلفة؛ فهناك ، بشكل عام، من ينظر اليها من منظار المعركة التنافسية و بهدف الوصول الى كرسي «سعادة النائب»، و هناك من يرى فيها مسئولية وطنية و ملحة في هذه المرحلة الابتدائية من عمر حياة نيابية تتقرب من النظام الديمقراطي؛ و المنظور المراد هنا هو «بأي منظار» يرى المترشح نفسه في عجينة الانتخابات؛ هذه العجينة بترابها و مائها، بالناخبين و المترشحين فيها، و ما أن تستقر العجينة على الشاكلة النهائية حتى يتبخر الماء من العجينة و يتربع على كرسي «سعادة النائب» و يعود التراب ذرات رمل من جموع الناخبين، و كل يعود الى عرينه أو الى عشه. هذه هي الصورة المألوفة عند المواطنين و التي تبلورت من خلال ثلاث عمليات انتخابية سابقة؛ فهذا الناخب بكل توقعاته الواقعية و الخيالية و الحاجياتية اليومية و ترقبه لطرق باب النائب لسد حاجة خاصة، لم يشهد الى الآن أية خطوة الى الامام على درب الديمقراطية و دولة القانون، و كانت للنواب خطوات غير مهضومة و هم يحثون الخطى متهافتين إلى الوراء دون أدنى إعتبار لمشاعر الناخبين و توقعاتهم، حتى أن القانون كَمُخْرَجٍ من مخرجات السلطة التشريعية التقليدية و المتوقعة لم يكن له حضور في مخرجات العمل النيابي. فهذا هو واقع و حقيقة النائب الذي شغل كرسي «سعادة النائب» لثلاث دورات إنتخابية متتالية، و لم يحصل الناخب من سعادة نوابه سوى قعقعة الاستجواب غير المبرر و غير المجدي ، و جعجعة العويل و المناكفات و بملكة الصراخ و كأن الصراخ و رفع الصوت قوة في الحجة و أن سعادة النائب عندما يُعْلي نبرات صوته و يحرك يديه في حركات تشنجية يعبر عن قوة شخصيته و عمق جديته، و نسى أو هو جاهل بأن التفاعل النيابي في أصالة جديته يتمثل في الطرح الهادئ و الرزين و بمعطيات الحقائق و الأرقام و بحجة قوامها المنطق السليم، و كل هذا بهدأة التعبير و ثبات القامة دون تمثيل. هذا كان شأن المترشح عندنا و الذي أصبح بفضل أصوات الناخبين «سعادة النائب» ، و صار الناخب يرى في «سعادة النائب» سلطة وجاهة و تزلف لإثراء حال الذات ، لا سلطة تشريع و رقابة لتطوير حال الناخب و الوطن . و إذا ما حولنا أنظارنا إلى شرائح الناخبين فإننا نرى في أفق الوطن غمامة تحجب رؤية الكثير من المواطنين عن مغزى الانتخابات النيابية و علاقتها بالمنظومة الديمقراطية؛ و إذا ما وضعنا الشريحة الواعية من مثقفين و مهتمين بشئون الوطن جانباً، و هم نسبة تكاد أن تكون غير مؤثرة بالشكل المطلوب في هذه المرحلة، فإن الغالبية السائدة تندرج تحت قائمة الخلط في المفاهيم و عدم وضوح الرؤية ؛ و تختلط الأوراق عند هذه الشريحة الغالبة مما يتسبب في ذبذبة عقربة البوصلة دون أن تستقر في الاتجاه الطبيعي، مثلما يؤثر المجال المغناطيسي سلباً على إتجاه البوصلة ؛ و هذه الشريحة تندرج تحت قائمتها الفئة غير المبالية و التي في غالبيتها تكون غائبة عن صناديق الاقتراع و نسبتها غير ذات تأثير؛ و من الناخبين من هم تحت وصاية عقائدية لا تحيد عن توجيهات قيادتها قيد أنملة لا يميناً و لا شمالاً ، و هذه الفئة لا يهمها البرنامج الانتخابي للمترشح بالمطلق، فهي أسيرة قيادتها في العقيدة، و هي بهذا المنحى تكون مسلوبة الإرادة و عديمة الرأي مسيرة بالمطلق؛ و هذه الفئة المسلوبة الإرادة تشغل حيزاً مؤثراً و كبيراً نسبياً في كامل المكون الوطني. البقية الباقية تتعدد مواقفهاو تتحدد أصواتها على هوى مصالحها الشخصية أو الانجذاب الشخصي الى المترشح ، و من الناخبين من يفضل أن يصوت لجاره أو قريبه ، و طبعاً هناك الفئة شبه القبلية و العشائرية و هذه الفئة أقل نسبة و تأثيراً من الفئة المنضوية تحت عباءة العقيدة، و هي على أرض الواقع منجذبة إلى المواقع العقائدية أكثر منها إلى أصولها القبلية أو العشائرية، فهناك تمازج عندها بين القبيلة و العقيدة. إن قوى الجذب و النفور في دهاليز العقيدة قوية ساخنة يمتد تأثيرها إلى خارج نطاق أتباع العقائد المتنافرة ، و كأنها الشلال الذي يجرف كل ما يصادف في طريقه ، و كل ما هو قريب من مياه الشلال ينجذب إنجراراً في مسار الشلال. هذا هو الحال الحَكَمُ في تجربتنا الجديدة في مهرجان الانتخابات . إن هذا الحال السلبي ليس بالأمر غير الطبيعي في هذه المرحلة الأولية من التجربة الانتخابية البرلمانية؛ إن التراكم الكمي للعمليات الانتخابية ضرورية لتنقشع الغمامة عن عيون و أذهان الناخب حتى يتمكن أن يرى بوضوح العلاقة الوطنية الحقيقية و الصادقة التي تربطه بالمترشح على المسار الديمقراطي ، و هذه التجربة في تراكمها الكمي كذلك هي الفصل و الحسم في تحول مسلوبي الإرادة إلى فضاء حرية الرأي و الاختيار و النقد. إن التفاعل بين المترشح و الناخب لابد له أن يتواصل دون توقف و لا كلل و دون فقدان للأمل على هوى نتائج قد تكون مخيبة للتوقعات؛ و لا يمكن للتحولات الكبيرة و الجذرية أن تحصل إلّا من خلال التراكم الكمي الغني بالممارسة و التجربة ، و لا يمكن للخطاب الوطني وحده دون خوض التجربة العملية أن يساهم في مجرى التحول من حال أدنى إلى حال أرقى؛ إن الفيصل و الحسم في مسيرة الديمقراطية هو حرية الناخب في رأيه و خياراته بعيداً عن التبعية و الانقياد ، حيث يتسم الرأي و الخيار بروح النقد البناء عرضاً و قبولاً. إن اللا مبالاة المبنية على أساس النزعات الفردية و المقاطعة المبنية على أساس الاجندات العقائدية أو الضغوط السياسية لا تساهم إيجاباً في التراكم الكمي للتجربة البرلمانية في إتجاه دولة القانون و الديمقراطية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا