النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10812 الخميس 15 نوفمبر 2018 الموافق 7 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:34AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

خلط الدين بالسياسة يفسدهما معاً

رابط مختصر
العدد 9287 السبت 13 سبتمبر 2014 الموافق 18 ذو القعدة 1435

هناك مقولة قديمة تنسب إلى أحد زعماء العرب، تقول «الدين طير حُر، من صاده قنّص به» في تصوري أن هذه المقولة، تلخص طريقة تعاطي مجتمعاتنا وأنظمتنا السياسية مع الدين، إن علاقة المجتمعات العربية والإسلامية بالدين الإسلامي وعلى امتداد «14» قرناً، علاقة «نفعية» سواء من قبل الأنظمة الحاكمة أو الجماعات الدينية المسيسة، في توظيف هذا الدين العظيم في غير أهدافه ومقاصده، في سوق السياسة والاقتصاد والصراعات المذهبية والطائفية، ، كان أول توظيف سياسي للدين، مشهد رفع «المصاحف» طلباً للتحكيم في الصراع بين علي ومعاوية، ليتطور بعد ذلك ليرفع الخوارج شعارهم «لا حكم إلا لله» غطاءً شرعياً لرفضهم شرعية خلافة الإمام علي رضي الله تعالى عنه، وتأصل هذا التوظيف واستمر على يد خلفاء بني أمية وبني العباس وبني عثمان إلى سقوط نظام الخلافة على يد أتاتورك 1923 لكن «التسييس الديني» مستمر إلى يومنا. لقد استثمر خلفاء المسلمين، الدين في توطيد سلطانهم، وإسباغ الصفة الشرعية عليه، بهدف اخضاع الرعية وقمع المعارضات السياسية عبر استتباع «المؤسسة الدينية» وتقريب مشايخ أفتوا وشرعنوا، كثيراً من السياسات والتصرفات التي لا تتفق، والأهداف الشرعية، وقد استثمرت الأنظمة الحاكمة، الفتاوى، في التنكيل بالمعارضة السياسية، على مر التاريخ الإسلامي، ووصمها بالبغي وإثارة الفتن وشق عصا المسلمين، واستمر هذا «التوظيف النفعي» للدين إلى يومنا، على يد الأنظمة العربية، عبر تحالفات خطرة بينها وبين جماعات دينية مسيسة، بهدف كسب الشارع الديني، ضد القوى الأخرى «الليبرالية» في مقابل دعم السلطات لها وتمكينها مادياً وإعلامياً، وفي هذا يقول د.باقر النجار عالم الاجتماع البحريني «إن واحدة من أهم معضلات الدولة العربية، توظيفاتها النفعية الميكافيلية للدين، والتي تقوم على أهداف قصيرة وآنية المنفعة، الأمر الذي عمق من مأزق شرعية الدولة، فكل محاولات الدولة العربية، الاستقواء بالمعتدلين الإسلاميين لمواجهة جماعات متطرفة، لم يفرّخ إلا المزيد من القيادات المتطرفة كما في التجربتين المصرية والجزائرية». على أن الأمر الذي يجب ابرازه، أن الجماعات الدينية الناشطة، هي الأكثر استثماراً للدين في سوق السياسة والمزايدات الحزبية، وهذا داء قديم وممتد عبر العصور التاريخية إلى يومنا، إذ كان السلاح الأقوى بيد الجماعات الدينية المعارضة في صراعها ضد السلطة الحاكمة، هو سلاح «الدين» بهدف نزع الصفة الشرعية عن السلطة واتهامها بأنها لا تطبق الشريعة العادلة، هكذا فعل الخوارج القدامى، وكل الجماعات الدينية المعارضة من بعدهم: العلويون، العباسيون، الفاطميون إلخ... وهو ما تفعله الجماعات الدينية المعاصرة في خطابها التحريضي ضد الأنظمة الحاكمة المناوئة لها، وقد أضافت هذه الجماعات، تهما جديدة ضد الأنظمة الحاكمة هي: أنها تتحالف مع الغرب الكافر «الصليبي الحاقد المتآمر على الإسلام» وأنها تنفذ الأجندة الغربية ضد الإسلاميين بهدف «تغريب» المجتمعات الإسلامية و»علمنة» الدولة معا، مما حوّل الصراع السياسي إلى صراع ديني «وهمي» يعرقل مشاريع التنمية والتحديث ويجمّد الأوضاع السياسية والاقتصادية ويعيد مجتمعاتنا إلى الوراء قروناً، هذا هو الحاصل اليوم على يد «داعش» وكافة المجتمعات المسلحة المسيّسة في ليبيا واليمن والصومال وغيرها، إن تسييس الدين هو «الآفة» الكبرى، اليوم، وهو «المعوّق» الأخطر لتجاوز «هُوّة التخلف» وإن أسوأ ما يمكن لأن يصاب به أي مجتمع بشري، هو أن يتحوّل علماء الدين إلى علماء في السياسة والاقتصاد، يزاحمون السياسيين والاقتصاديين ويلعبون في ملاعبهم، وهم غير مؤهلين، فهم بذلك، يُفسدون الدين، كما تُفسدهم السياسة، وما تعانيه مجتمعاتنا اليوم من التردي العام والاضطرابات وإنعدام الأمن والاستقرار، أحد تجليات الخلط بين السياسي والديني، وقد ساعد على هذا الخلط، أن مجتمعاتنا، تستفتي الفقيه والشيخ في كل كبيرة وصغيرة في شؤونها، وتلتمس منهما، حلولاً لقضاياها المعاصرة. ما نراه على امتداد الساحة العربية من مشاهد عنف وإرهاب ومجازر ودماء وتهجير الملايين من البشر، ما هو إلا ثمرة من ثمار هذا التوظيف السياسي «السيئ» لهذا الدين، مع أنه القائل للمسلمين «أنتم أعلم بأمور دنياكم» في إشارة إلى ضرورة التمييز بين «الديني» و»الدنيوي» وعدم الخلط بينهما بما يفسدهما معاً، نعم الدين معالم هادية وتعاليم ملزمة تحصن مجتمعاتنا، لكن يظل «الدين» شأناً و»الدنيا» شأناً آخر، لكل منطقهما وأسلوب التعامل معهما وإدارتهما، تأمل المشهد العام، تجد نارا حامية تحرق الأخضر واليابس باستثناء «الخليج» الذي جعله المولى تعالى منطقة «آمنة» ويتخطف الناس حولها، لماذا؟! ذلك بفضل «الإسلام الخليجي» الحصن المنيع تجاه أفكار التطرف وتسييس الدين، «إسلام أهل الخليج» ضد المسيرات والتظاهرات المخرّبة، وضد التحزب السياسي باسم الدين، وضد اقحام بيوت الله تعالى في الخلافات السياسية، وضد كافة مشروعات «أسلمة» المجتمع، هذا الإسلام السمح المعتدل المتقبل للآخر، هو «اللقاح» الذي حصّن الخليج في مواجهة الأوبئة الفكرية المعدية، وهو الذي حفظ للخليج: استقراره وأمنه وازدهاره وكرامة أهله.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا