النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10816 الاثنين 19 نوفمبر 2018 الموافق 11 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:39AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

داعــش عــدوة العـــيش المشتــــرك

رابط مختصر
العدد 9273 السبت 30 أغسطس 2014 الموافق 4 ذو القعدة 1435

ثورات ربيع العرب التي انطلقت شرارتها الأولى في تونس 17 ديسمبر 2010 أسقطت أنظمة عربية أزمنت وأفرزت أوضاعاً فاسدة استغلتها قلة متنفذة بددت مقدرات البلاد وتحكمت في مصائر العباد، استبشرت الجماهير بتلك الأنظمة الفاسدة وتطلعت إلى تحقيق آمالها في غد أفضل يسود فيه العدالة والحرية والكرامة. باركنا جميعاً ثورات الربيع وساندناها كتاباً ومثقفين، كما ساندها المجتمع الدولي مالياً وسياسياً، نعم فرحنا بسقوط الديكتاتوريات العربية وأملناها آخر الدكتاتوريات العربية، لكن في غمرة الأفراح لم نحسب التداعيات والتبعات، فقد كانت سقوط الديكتاتورات العربية التي كانت بمثابة (اللاصق العنيف) بحسب تعبير الكاتب السوري محمد سيد رصاص، للمكونات المجتمعية غير الاندماجية، إيذاناً بسقوط ثقافة (العيش المشترك) على أيدي جماعات العنف والكراهية، ثورات ربيع العرب، أطلقت الوحوش الضارية من عقالها فخرجت من كهوفها المظلمة لتعيث في الأرض فساداً عريضاً، تقتل وتقطع الرؤوس وتنشر الرعب والدمار وتشرد الملايين من أوطانهم وتستولي على ممتلكاتهم، رفعت هذ الثورات، القشرة الخارجية الخادعة التي كانت تغطي ما في أعماق المجتمعات العربية من موروثات الكراهية والإقصاء. اليوم، لازالت الأرض العربية تقذف ما في جوفها من مخزون تعصبي وقمعي في شكل جماعات متطرفة عنيفة، أسوأها جماعة (داعش) التي لا تقبل الآخر ولا تعترف بثقافة العيش المشترك، إنها اليوم تستهدف، بشكل منهجي، الطوائف والأقليات التاريخية التي سكنت بلاد الرافدين منذ العصور السحيقة، وعاشت على امتداد التاريخ الإسلامي في (تعايش مشترك) صحي وبناء، آمنين على أنفسهم وأولادهم وأموالهم وكنائسهم يمارسون شعائرهم الدينية ويتمتعون بحقوقهم الإنسانية، في حماية الدولة الإسلامية، وأنتج هذا التعايش المشترك، إزدهاراً علمياً ومعرفياً شمل كافة أرجاء الامبراطورية الإسلامية، وكان المسلمون في ذلك مدفوعين بتعاليم دينهم الآمرة بإحسان التعامل مع غير المسلمين وفق قاعدتي (البر) و(القسط) واقتداءً بسنة نبيهم محمد عليه الصلاة والسلام الذي كفل في أول دستور للدولة الإسلامية، حقوق وواجبات يهود المدينة. دولة داعش اليوم تسعى لاقتلاع الطوائف الدينية والأقليات التاريخية من أوطانها بقوة السيف، وتشن حرب إبادة جماعية عليها، فهي لم تكتف بتفريغ (الموصل) من المسيحيين، لتصبح ولأول مرة في تاريخها خالية من سكانها الذين استوطنوها 1500 سنة بل عمدت إلى الطائفة الإيزيدية لتقتل رجالهم وتسبي نساءهم وتحاصر من بقي منهم من النساء والأطفال والضعفاء في جبل (سنجار) بلا ماء ولا مؤنة، لم تستطع قوات (البيشمركة) الصمود طويلاً أمام وحوش داعش الضارية، ووقف العراقيون عاجزين عن فك الحصار وتقديم العون، لكن صرخة الاستغاثة المدوية الموجعة للضمائر، للنائبة الإيزيدية (فيان) في البرلمان العراقي، والدموع تنهمر من عينيها: انقذونا، قومي يذبحون، نساؤنا تسبى كالجواري، دين كامل يباد على وجه الأرض، لم تذهب صرختها سدى، إذ تحركت أمريكا فأرسلت مقاتلاتها تدك وحوش داعش وتفك الحصار وتنقذ المؤنة للعالقين وتنقل بعضهم وتفتح ممراً آمناً للمحاصرين، وتحرك المجتمع الدولي فأصدر مجلس الأمن بياناً أدان فيه استهداف الأقليات العراقية واعتبر (الهجمات الممنهجة ضد المدنيين بسبب انتمائهم الديني أو العرقي، يمكن أن تشكل جريمة ضد الإنسانية) وسارعت فرنسا وأمريكا إلى تقديم السلاح للبيشمركة لمواجهة داعش، كما سارع الاتحاد الأوروبي إلى تنسيق الجهود لمواجهة تقدم داعش كما قدمت بريطانيا واستراليا وغيرهما المساعدات الإنسانية. وكانت (الفاتيكان) قد دعت علماء المسلمين إلى التنديد بالأعمال الإجرامية التي يرتكبها جهاديو (الدولة الإسلامية) ضد المسيحيين والإيزديين والأقليات الأخرى في العراق، وقالت: أنه لا سبب ولا دين يبرران مثل هذه الأعمال الوحشية: قطع الرؤوس والصلب وتعليق الجثث وخطف النساء والفتيات وممارسة الختان وفرض الجزية واللجوء إلى العنف الفظيع بهدف الترهيب، كما حثت علماء المسلمين والمشاكين في حوار الأديان باتخاذ موقف واضح وشجاع، وأن على الجميع إدانة هذه الجرائم بسوط واحد من دون لبس وأن ينددوا بالتذرع بالدين لتبريرها. وأضافت: أنه على مر القرون، عاش المسيحيون إلى جانب المسلمين، ما أدى إلى ثقافة تعايش وحضارة، يفتخرون بها، مذكرة بقيمة (الحوار بين المسيحيين والمسلمين الذي استمر وتعمق). إن ثقافة أو فن (العيش المشترك) لهي أعظم ثروات الإنسانية، كما قال الكردينال الفرنسي، فيليب بربران، رئيس أساقفة ليون، وقد عبر عنها القرآن الكريم في كلمات معجزات مثل (لتعارفوا) و(ولذلك خلقهم) و(لكم دينكم ولي دين) وهدف داعش، تفريغ بلاد الرافدين من طوائفها الدينية وأقلياتها العرقية التاريخية، وترحيلها إلى الخارج، وأيضاً: ضرب ثقافة (العيش المشترك) لذلك ينبغي على العراقيين جميعاً، توحيد جهودهم، وبخاصة في ظل الحكومة الجديدة، وعلى العرب والمجتمع الدولي تقديم كافة أشكال المساندة العسكرية والسياسية والمالية، لإفشال جهود داعش، بتثبيت الطوائف والأقليات في أوطانها، لا تسهيل انتقالها وهجرتها، وذلك: تعزيزاً لثقافة (العيش المشترك) والتي هي نعمة عظيمة في مجتمعاتنا، وصيانة لمستقبلها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا