النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10819 الخميس 22 نوفمبر 2018 الموافق 14 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:41AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

لكي لا تختفي الطوائف الدينية من مجتمعاتنا

رابط مختصر
العدد 9259 السبت 16 أغسطس 2014 الموافق 20 شوال 1435

لكي لا تختفي الطوائف الدينية من مجتمعاتنا محنة الطوائف الدينية في أوطاننا عاشت الطوائف الدينية التاريخية المختلفة من المسيحيين – الكلدانيين، الآشوريين، السريانيين – والصائبة واليزيديين واليهود، على امتداد التاريخ الإسلامي في عهد وذمة المسلمين، آمنين على أنفسهم وأولادهم وأموالهم وكنائسهم، يمارسون شعائرهم الدينية ويتمتعون بحقوقهم المدنية في التجارة والملكية والتنقل والعدالة أمام القضاء الإسلامي، وكان لأبناء هذه الطوائف دور بناء في ازدهار الحضارة الإسلامية، فهم الذين نقلوا تراث اليونان والفرس والهند والرومان إلى العربية: آداباً وفلسفات وعلوماً، وتقلد العديد من أبنائها مناصب مهمة في جهاز الخلافة، عاشت هذه الطوائف في «تعايش» صحي ومثمر وكان المسلمون في ذلك يترجمون تعاليم دينهم الذي أمرهم باحسان التعامل مع غير المسلمين وفق قاعدتي «البر» و «القسط» كما في الآية الكريمة «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم» ويقتدون بسنة نبيهم عليه الصلاة والسلام الذي وادع يهود المدينة في أول دستور إسلامي، تضمن الحقوق والواجبات بين المسلمين واليهود على أساس حسن الجوار والتعاون ضد العدوان واحترام المعتقد «لليهود دينهم وللمسلمين دينهم» ولا ينسى المسلمون كرم معاملة «النجاشي» ملك الحبشة «المسيحي» للمسلمين الأوائل المهاجرين من بطش قومهم، كما لا ينسون علاقات المودة التي ربطت نبيهم والنجاشي، كما ترسخ هذا الأمر في عهود ومواثيق قادة المسلمين مع هذه الطوائف في البلاد المفتوحة وتضمنت الحرية الدينية لها في ممارسة شعائرها والحفاظ على كنائسها والالتزام بحمايتها، وإذا جئنا إلى العصر الحديث، فإن النابهين من أبناء هذه الطوائف وبخاصة المسيحيين، كانوا هم رواد التحرر الفكري ومنظري الدعوة القومية الأوائل وحاملي لواء النهضة العربية الحديثة، بل وكما يقول أميل أمين «الآباء الدومينيكان في الموصل هم الذين أدخلوا إلى العالم العربي أول مطبعة باللغة العربية» من يستطيع تجاهل مفكرين بارزين حملوا شعلة التنوير من أمثال قسطنطين زريق وأدوارد سعيد ونقولا زيادة وجرجي زيدان وغيرهم؟! ونحن لا ننكر أنه في مراحل تاريخية معينة في ضل دولة الخلافة، ووجود مناخات اجتماعية متعصبة، كانت هناك إجراءات تمييزية ضد هذه الطوائف، ساندتها –مع الأسف– آراء فقهية متشددة، تمثلت في التعسف في جباية الخراج والجزية وإلزام غير المسلمين بزي معين، نحن لا ننكر ذلك، لكننا نستنكرها ونعدها لا تتفق ومنهج الإسلام وتعاليمه التي تقول: من آذى ذمياً فإن الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه، سيكون خصيمه يوم القيامة، مع مراعاة هذه المظالم لم تقتصر على غير المسلمين بل شملت فئات عديدة من المسلمين: الرقيق، المرأة، المسلم العادي الذي كان مهمشاً ومحروماً من كثير من حقوقه في ضل دولة الخلافة التي أشاعت الخرافات والجهل والتعصب والتناحر، ولكن كل هذه الإساءات التي تعرضت لها الطوائف الدينية في الماضي، لا تقارن بما هو ممارس اليوم ضدها من صنوف الأذى وألوان الاضطهاد التي تواجهها من قبل الجماعات المتشددة في بعض المجتمعات العربية، كانت مشكلة الطوائف الدينية في الماضي، مشكلة «حدود» حريات وحقوق، أما اليوم فقد أصبحت، مشكلة «وجود» لهذه الطوائف التي تقتلع من أوطانها وتهجر من مدنها بقوة «السيف» دولة داعش فرغت «الموصل» من المسيحيين، لتصبح هذه المدينة ولأول مرة في تاريخها، خالية من سكانها المسيحيين الذين استوطنوها 1500 سنة، طالبتهم داعش تحت تهديد السلاح إما بالإسلام أو الجزية أو القتل أو الرحيل خلال 24 ساعة! وجردتهم من كل شيء سلبت جميع مقتنياتهم من أموال وذهب وملابس وأجهزة هاتف وحتى وثائقهم الرسمية، تعمدت إذلالهم وتحقرهم واهانتهم –كما لم يحصل في تاريخهم كله– ودفعتهم بغير رحبة للمغادرة سيراً على الأقدام مئات الكيلومترات، وفيهم العجزة والشيوخ والأطفال، وصلوا بعد يوم كامل وفي حالة من التعب الشديد والجوع والعطش إلى أربيل وداهوك في إقليم كردستان، واستولت داعش على منازلهم وممتلكاتهم وكنائسهم (30) كنسية، هكذا فعلت داعش مع من قال الله تعالى فيهم «ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا، الذين قالوا إنا نصارى، ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون» وما حصل للمسيحين في الموصل، حصل لأتباع الديانات الأخرى في مناطق عربية مختلفة، بل ان الكنائس في العراق ومنذ 2003 تتعرض لهجمات متكررة من الغلاة، أخطرها أدى إلى مقتل 44 مصلياً في كنيسة للسريان الكاثوليك في بغداد 2010، هذا المد الإرهابي العنيف الذي يستهدف الطوائف الدينية أدى إلى هجرة عدد كبير من المسيحيين العراقيين، وبحسب التقارير الدولية فإن عدد المسيحيين انخفض من 1.4 مليون (2003) إلى 500 ألف (2013) وفي اليمن، تقلص الوجود اليهودي الممتد إلى ألفي سنة إلى 300 شخص فقط، وبحسب تقرير أمريكي عن الحريات الدينية، فإن النزاعات الدينية وأعمال القمع ذات الطابع الديني، أدت إلى كبرى حركات النزوح السكاني لأسباب دينية في تاريخ العالم الحديث، حيث ان الملايين هربوا من منازلهم وفرغت أحياء كاملة من سكانها! دعونا نتساءل: ما الذي قلب حياة هذه الطوائف التاريخية واضطرها لترك أوطانها ومنازلها؟! إنها «ثقافة الكراهية» التي ترسخت في الأرض العربية، بفعل طروحات أيدلوجية لتيارات سياسية أيدلوجية، هيمنت على الساحة وصاغت المناهج الدراسية والخطاب الديني السائد عبر نصف قرن، لتنتج في النهاية هذا «المد المتطرف» الذي أصبح اليوم «وحشاً ضارياً» يفتك بالبلاد ويزهق أرواح العباد، ويضاف إلى ذلك عاملان مساعدان: 1. إخفاق «الدولة الوطنية» في تفعيل مفهوم «المواطنة» بين أبناء المجتمع الواحد بطوائفه المختلفة. 2. ضعف عوامل «التحصين المجتمعي» في مواجهة أمراض العنف والتطرف. ختاماً: سيستمر نزيف الهجرة والنزوح، ما لم تتم عملية مراجعة نقدية شاملة لكافة عوامل التحصين المجتمعي، وكما يقول النائب الكويتي نبيل الفضل: إن لم تنسف المناهج الدراسية ويتغير الخطاب الديني، ستعلن أكثر من داعش دويلتها قريباً!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا