النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10760 الإثنين 24 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

التناظر بين البيولوجيا و الدولة

رابط مختصر
العدد 9255 الثلاثاء 12 أغسطس 2014 الموافق 16 شوال 1435

إن الكيانات الحية كلها, من المكونات البيولوجية البسيطة في بنيتها الخلوية إلى أعلى ما ارتقت إليه البيولوجيا وهو الإنسان, تمر بدورة حياتية طبيعية من ولادة وحياة مكافحة من أجل ديمومة الوجود إلى نهاية الصلاحية الطبيعية لخلايا أعضاء الجسم وتوقف وظائفها وتحللها وانتهاء دورة حياتية, وعلى أنقاضها تتولد دورة حياتية أخرى جديدة, وهكذا تحافظ مملكة البيولوجيا على ذاتها ضد الانقراض. هناك من الكيانات الحية التي تتسبب من ذاتها في تقصير مدة صلاحيتها الطبيعية بفعل مُحْدَثاتٍ تُخِلُّ بموازين الخلايا في الأعضاء المختلفة وتنتهي معها دورتها الحياتية في لحظة زمنية مبكرة على موعدها الطبيعي. إن هذا الكمال البيولوجي المتمثل في الإنسان قد امتاز بملكة – فكرية – تخطت الفطرة الطبيعية إلى مراتب الخلق والإبداع (الخلق من الشيء وليس من العدم), مما حدى به أن يمازج بين البيولوجيا والعمل المنتج، ومن أرقى نتاجات هذه الملكة الفكرية هو تنظيم تجمعات بشرية في كيانات إنتاجية تلونت معها وبفعلها ثقافات متعددة, فتشكلت مع هذه الجهود الإبداعية مملكة البيولوجيا الاجتماعية المنتجة. هذه المملكة البيواجتماعية تتكون في وقتنا الحاضر, ومنذ نشوئها, من كيانات سياسية – اقتصادية – اجتماعية تحت مسمى دول ذات سيادة، هذه الدول هي كيانات جزئية, مثلها مثل الكيانات الجزئية في عالم البيولوجيا, تعيش دورتها الطبيعية, وعلى مسار هذه الدورة هي أمام خيارين لا ثالث لهما, إمّا التجدد واستمرار كيان الدولة في دورات تجددية متتالية تحافظ على ذاتها وبذاتها ضد الانقراض, وإمّا انتهاء صلاحية الوجود, مبكراً في حالة المرض – التشظي – أو لاحقاً تحدده الصلاحية الطبيعية غير المتجددة. إنَّ عالمنا العربي اليوم أمام تحد مصيري حرج, شبيه بحالة المرض البيولوجي, من موقع التشظي الاجتماعي الداخلي وتَعَطُّلِ وظائفه الإنتاجية, متلازماً مع حالة التصادم والتصارع مع الكيانات المتراصة والمتجاورة والمنضوية تحت سقف جامعة عربية موظفة ضد ذاتها, مثلما السرطانات موظفة بيولوجياً ضد ديمومة الكيان البيولوجي نفسه. إنَّ هذا الكيان البيواجتماعي العظيم المندرج تحت مسمى العالم العربي يعيش حالة من تَوَظُّفِ السرطانات في ثنايا خلاياه الحياتية, وهو يتصارع مع ذات ذاته مُتَكارِهاً ومُتَرافِضاً من ذات ذاته, وهو يواجه ظرفاً لم يشهده أي شعب آخر على مدى التاريخ المقروء والمنظور, وهو في أكلح ساعاته المديدة من الألم والمعاناة والعجز حيث الساعة فيه زمان مثقل بصنوف القتل والقتلى والدمار والخراب وفقدان أي أمل للخلاص على مرمى البصر والبصيرة وبات التشاؤم سيد الموقف. إن هذا الوطن العربي الكبير الذي تتداخل أطرافه ملامس جميع قارات العالم الأصيل القديم, ذات الجغرافيا العظيمة بمكونها البشري الكثيف, وثقافته المتلونة التي تمازج الثقافات العالمية كلها تعيش حالة من التآكل السرطاني والعجز عن السير في ركب الحياة الطبيعية, ناهيك عن عدم قدرته الصعود على قطار التقدم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والعلمي، إنها حالة البيولوجيا المريضة المشرفة على انتهاء صلاحيتها الطبيعية, ولأنها غير متجددة فإن مصيرها أقرب ما يكون من الانقراض، إذا لم يستجد أمر حكيم من ذات الكيانات المتشظية لتحويل مسار الانقراض إلى مسار إنقاذ الذات في وجهة التجدد اعتماداً على فضاء النور (الشفافية جزئية من هذا الفضاء) ومسالك التنوير فلا مناص من استمرار التحلل إلى هاوية الانقراض، ولا يَتَأَتَّى هذا التجدد إلى التجديد إلّا بنبذ المخزون السرطاني من صراعات الماضي المدفونة في قبور التاريخ, والتوقف عن إسقاط التاريخ على العقيدة, والنظر إلى التاريخ تاريخاً صرفاً غير ممزوج بعقيدة, وأخذ العقيدة إيماناً صرفاً خالصاً دون إسقاط التصارعات والتناقضات من ماضي التاريخ في مسالك التأويلات والتحريض المتبادل. إن هذا النهج من فصل العقيدة عن التاريخ هو نقطة الإنطلاقة لِزَمانِيَّةِ الإنسان في موازاة الزمان الطبيعي، إن زمانية الإنسان تعني ديمومة الوجود على مسار التقدم. إنَّ الزمان الطبيعي, بمؤشراته الكونية, سرمدي التقدم أزلي الآفاق ثابت الخطى, بينما زمانية الإنسان مشروطة بالإرادة الإنسانية من ذاتها ومن أجل ذاتها اعتماداً على طموحات الإنسان وقدراته ونزعة العقل والفكر الحر الذي يمازج بين الطموحات والقدرات في مختبر الواقعية الصرف المجرد من عاطفة أو عقيدة, فكر صرف وحر ليس إلّا. هذا المختبر الفكري المعرفي الصرف هو الوحيد الذي بمقدوره أن يميز بين الممكن وغير الممكن ويرسم خارطة طريق على أساس أولويات المصير المشترك أمام تحديات وإغراءات المصالح الذاتية والفئوية الأنانية والقابلة للفناء إذا ما تعرض المصير المشترك للتحلل والانهيار والانقراض. إنَّ المصالح الذاتية, من الأنا والفئة, تنخر في كيان الدول مثل فعل خلايا السرطان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا