النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10811 الأربعاء 14 نوفمبر 2018 الموافق 6 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

من الأسرة إلى الدولة

رابط مختصر
العدد 9234 الثلاثاء 22 يوليو 2014 الموافق 24 رمضان 1435

البيت هو جغرافية الأسرة مثلما الدولة هي جغرافية الوطن، والبيت يُعْرَفُ بأهله مثلما الدولة تعرف بشعبها، وللبيت رَبٌّ مثلما للدولة حكم... فإذا صلح رَبُّ البيت صلح أهل البيت وتماسكت الأسرة في ود ومحبة وسعادة، وهكذا الحال مع الدولة، فإذا صلح الحكم صلح الوطن وتماسك الشعب في وحدة المصير والتعاون في السير بالوطن إلى مراتب التقدم والرفاه. البيت هو الميزان، ورَبُّ البيت كفة وأهل البيت كفة أخرى، فإذا توازن الميزان بكفيه صمد البيت وصار عصِيَّاً على المتربصين به من قريب أو بعيد، فيكتسب هذا البيت حب أهل البيت واحترام الغير، والدول بحكامها وشعوبها انعكاس أصيل لهذا الميزان. الميزان بمعناه المباشر والمجازي هو الحُكْمُ والحَكَمُ في الظلم والعدل على هوى تباين الكفتين أو تناظرهما. هناك بيوت محصنة متماسكة، وعلى النقيض هناك بيوت متصدعة تنفذ من صدعاتها الثعالب والأفاعي. هذا التماثل بين البيت والدولة رغم مقاربته للواقع وتخطيه خط المجاز إلّا أن الدولة أكثر تعقيداً وتشابكاً واتساعاً في الرقعة والكثرة البشرية المتباينة طبقياً ووظيفياً، والعلاقة بين أفراد الوطن الواحد يمتد من تلك العلاقة المباشرة إلى علاقات غير مباشرة، حيث المواطن لا يعرف أخاه المواطن إلّا بما يجمعهما من انتماء إلى كيان دولة واحدة. الدولة امتداد طبيعي للأسرة في السياق التاريخي والاجتماعي، فالأسرة هي الأساس في نشوء الدولة، وعلى مسار التاريخ وتشابك الأسر في مجموعات، وعلاقات اقتضت ضرورات الحاجة المشتركة أن ترتقي إلى علاقات إنتاج قوامها العمل، ومن هذا العمل المنتج الذي يلبي حاجيات الأسر في مجموعها، كان لا بد من تنظيم له وإدارة وإشراف وتوزيع وتجديد، مثلما الحال إلى يومنا مع ضرورات العملية الإنتاجية الاجتماعية، وهكذا خرجت من رحم العملية الإنتاجية قيادة اقتضتها ضرورات العملية الإنتاجية وتبعاتها، ومع الوقت واكتساب الخبرة والمهارة الإدارية ميزت هذه القيادة نفسها عن القوى العاملة المنتجة، فاستحوذت القيادة على العمل وعلى منتوج العمل، وصار لهذه القيادة حدودها الجغرافية ونهجها في التحكم في العمل وفي الإنتاج إلى أن أخذت هذه العلاقة منحى تشكل الدولة بقيادة السيد وأسرته وكان ميلاد الدولة، وباكورة الدولة كان القائد فيها بمثابة الإله الذي يجب أن تعبده القوى العاملة المنتجة، وهكذا كان النظام العبودي وهو أول نظام إنتاجي اجتماعي في إطار علاقة السيد والعبد. رغم أن الدولة ورثت وأخذت أسس تشكلها من الأسرة إلّا أن هذه الدولة الأولى في تكوينها العبودي أخَلَّتْ بميزان البيت الواحد المتماسك، وابتدأ التمايز بين الإنسان وأخيه الإنسان إلى علاقة الإنسان السيد بالإنسان العبد. من الطبيعي في غياب ميزان العدل والإنصاف أن تكون هذه الدولة متصدعة ومنذ نشأتها الأولى، وفي ذاك السياق التاريخي الاجتماعي تشكلت جغرافيات دول متعددة متقاربة ومتباعدة وكلها كانت على نمط السيد والعبد، كل هذه الدول كانت متصدعة وكانت تحكم بالحديد والنار وكانت تزج بعبيدها في حروب مع الدول المجاورة وحتى البعيدة، وكانت حالة الحروب هي السائدة، وتوالى مع حالة الحروب الشبه دائمة إلى إنهيار دول وقيام دول أخرى، وهذا الانهيار والقيام كانا فيتعاقب متلازم مع حال النظام العبودي، سيد ينهار وسيد آخر يصعد على العرش والشعب العبد من جهنم حرب إلى جهنم حرب أخرى إضافة إلى دوره الإنتاجي المتواصل لتزويد نار الحرب بالوقود المادي والبشري وتزويد الإنسان السيد المهيمن بحاجاته كي يعيش في ترف وتخمة. مع دوران الحروب وسلطة الحديد والنار وتعاقب الأزمان اكتسب الشعب العبد وعياً ذاتياً استنهضه ضد سادة الدولة، فكانت تعاقب الانتفاضات والثورات والمجازر المتبادلة في دورات زمانية متواصلة، ومع تراكم حالات التمرد والثورات والحروب وتبدل الملوك، اكتسب السيد والعبد كماً من الخبرات، كل على هوى مصالحه، السادة والملوك وجوقة المتمصلحين معهم أخذوا يبتكرون وسائل أمنية ومؤامرات ضد الشعب العبد أو القن للبقاء أطول مدة ممكنة على كرسي السيادة، ومن الابتكارات العبقرية في حينه ابتكار يتلخص في كلمتين وهما «فرق تسد»... فكان ابتكاراً ناجعاً في معظم الحالات في حينه وبعد حينه وتلقفته أكثر القيادات من روما وفارس والدولة الأموية والعباسية والاستعماريات كلها. عبقرية «فرق تسد» التي أنتجت داء الشقاق في صفوف الشعب الواحد أعطت ثمارها ولكن إلى حين، حيث أن هذا السلاح العبقري لم يستطع أن يغير مبدأ «بقاء الحال من المحال» ومبدأ «لو دامت لغيرك ما وصلت إليك»... والأمثلة على نسق هذا المبدء كثيرة والاتعاظ بها حكمة، ومن اتعظ سلم. واليوم نعيش حالة أخرى رغم بقاء بعض التداعيات من الماضي القاسي والأليم، فقد حدثت ثورات فكرية قلبت المفاهيم وقلبت كراسي الحكم معها في أرجاء كبيرة من الكرة الأرضية وتزامنت مع هذه الثورات الفكرية ثورات العلم والتكنولوجيا وتغيرت معها أدوات الإنتاج، فصارت ادوات الإنتاج معقدة تحتاج إلى مهنية متعلمة، وهكذا صار العمل والعلم متلازمين وصارت القوى المنتجة متعلمة تستخدم ملكة التفكير في العملية الإنتاجية، ومع تمازج العمل بالفكر، والإنتاج بالتعليم، تمرس العقل بالتفكير والتحليل والقدرة الواثقة في اتخاذ القرار وخاصة القرار المصيري، وكان من الطبيعي أن يخرج من هذا الارتقاء الكبير في الفكر إنتاج مفاهيم كبيرة، فكانت الولادة الطبيعية للأفكار والمفاهيم التنويرية التي تنادي بالديمقراطية ودولة القانون وتثبيت التوازن في بيت الدولة، وترى هذه المفاهيم أن الحُكْمَ وظيفة وأن الشعب هو صاحب السلطة، هناك دول كثيرة تسير على هذا النهج وإن بدرجات متفاوتة. وهكذا فقد ولّى ومضى وتاه حتى ذاك الزمان الذي «فرق تسد» فيه كان وَهْمُ المتسلط على رقاب الشعب – وكان الوهم أن ثبات السلطان يتعزز بتشطير الشعب... كلمتان سادتا سيادة الحكمة الضالة في أذهان حكام وأباطرة وكاسرة وحتى استعماريات الغرب، وهذه الحكمة الضالة المضلة لم تبق على حاكم ولا أمبراطور ولا كسروي ولا استعمار، فقد ارتدت الضلالة على أصحابها. فهل يتيقن الحاضر من ضلال الماضي؟.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا