النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10759 الأحد 23 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

كانت بيوتنا غير

رابط مختصر
العدد 9221 الأربعاء 9 يوليو 2014 الموافق 11 رمضان 1435

بيوتنا غير، فرجاننا غير، فهل نفوس الناس عندنا الآن غير ما كانت عليه؟! سؤال يدور في الخاطر كلما مررت بقرية أو مدينة، وكلما طفت بشارع أو طريق أو داعوس. قد يكون الجواب كما يظن البعض سهلاً، وقد ينبري آخر لتأكيد كلمة نعم، إن الشواهد ناطقة وبينة وكما نقول في مثلنا الشعبي «نيشان الذبيحة معلاقها»، وهذه الشواهد أو قل الملاحظات، والمعاينات تنهض دليلاً على صدق ما يؤكده البعض، ولكن لا نذهب بعيداً، يمكننا أن نلقي ضوءاً كاشفاً عن فترة عشتها منذ طفولة تعود إلى العام 1954م، حيث كانت المرأة في البيت هي كل شيء من تربية الأبناء، والاعتناء بالزوج والطبخ والغسيل، وجلب الماء وفي بعض القرى جلب الحطب من على الأسياف وجلب حبات «الصبان» لفرش الحيشان تحسباً لتجمع مياه الأمطار ولم تكتفِ بالاعتناء بمنزلها ونظافته بل لجأت إلى تنظيف واجهة البيت من الخارج «بالعسو»، وكذلك السعي لتنظيف حوالي البيت، وكان هذا هو حال النسوة في الفريج، فتخال أن عمالاً أتوا للتنظيف كما نشاهده اليوم، وإذا أنت تكتشف أن المرأة البحرينية لفرط اهتمامها بالفريج ونظافته، وطهارته تسعى جاهدة لأن يكون البيت وما جاوره نظيفاً وبما أن البيوت متجاورة، أو ربما تكون أيضاً متلاصقة، فإنك تمر على الفريج وإذا هو كما كانوا يقولون «يلمع» أما الرجال فقد كانوا كذلك يهمهم أن يكون فريجهم نظيفاً، وقد اعتبروا المسجد الذي يقصدونه للصلاة وهو من بيوت الله قطعاً، بيتهم الذي يحرصون على طهارته ونظافته، واتذكر أننا خضنا معهم ونحن أطفال تجربة تنظيف المساجد، ولم نكن نعتمد على أن تكون هذه المهمة هي وظيفة المؤذن والإمام اللذين كانا من أبناء البحرين، إذ شعرنا بالمسؤولية الاجتماعية والدينية وتضامنا مع القييمين على المسجد في نظافته وطهارته، وكان هذا الشعور والإحساس والمسؤولية يتضاعف عند الجوامع التي تستقبل المصلين لصلاة الجمعة، فكنا معنيين بتجهيز الحصر، والبسط في الفناء الخارجي للجامع ليستوعب أعداد المصلين. وفي الستينات قدنا حملة في قرية البديع، نحن أعضاء نادي البديع الرياضي والثقافي من الشباب لتنظيف سواحلنا واستعنا بالبلدية لتجهيز عربات النقل و»الشياول» لتنظيف ساحل البديع الشمالي الشرقي والوسط الغربي، والجنوب واكتشفنا بعد جهد استغرق يومين أن السواحل بالإمكان الجلوس على رمالها والتمتع بالسباحة فيها دون خشية من زجاج مكسور أو مسمار في لوح مهمل، وشعرنا بأننا كشباب شاركنا الأجداد والآباء والأمهات في الإعتناء بقريتنا، وأحسب أن هذه الأعمال التطوعية لم تكن مقصورة على شباب أهل البديع؛ فقد عشت في الجسرة ولمست مثل هذا الاهتمام، وعشت في الحد ولمست نفس الاهتمام، وزرت الأهل في حالة بوماهر بالمحرق، والزلاق، وأم الحصم والحورة وعراد وحالتي اسلطة والنعيم ووجدت نفس الاهتمام كما زرت الأصدقاء ومعارف الوالد في الهملة وبني جمرة، والدراز، والمالكية وباربار وكرانه، والدير، وسماهيج وقلالي ووجدت نفس الاهتمام. أما بيوتنا فقد كان طلاء الجدران «بالنورة» هو شغلنا الشاغل، فالبيوت بيضاء لا تخالطها ألوان الطيف و»الدرايش» أو «الشبابيك» زرقاء وكأن لون البحر بزرقته الصافية انعكس عليها، وكان مستهجناً أن ترى عبارات مكتوبة على الجدران، حتى عندما كان يكتب بعض الصبية عبارات بالفحم على جدران أحد البيوت وهي عبارات بريئة يستهجن أهل الفريج جميعهم ذلك، وبالحال يتم إزالة كتابات الفحم بالماء أو بطلاء النورة البيضاء، فقد شعر الجميع أن بيوت الفريج في مدن وقرى البحرين واجهتهم الحضارية، وعنوان رقيهم، ونظافتهم وطهارة قلوبهم ونقاء سريرتهم. كانت نظافة الفريج، والبيوت وصفاء الجدران عنوان حرص البحريني على النظافة والطهارة ونقاء المخبر، ورمز التضامن الاجتماعي والتعاون الأسري، وكنا نخجل من تلويث طرقنا وحوارينا ودواعيسنا، وكنا نأنف أن نكتب على الجدران، وكان شعورنا أن أي مساس بجدار الجار هو مساس بممتلكاته الخاصة، وتعدي على حرمة بيته، وتشويه لجهود بذلها ومال أنفقه ولو كان بسيطاً، فكما كانت غيرتنا على أهله وحرص على كرامة أبنائه وبناته، فقد تمسكنا بقيم الفريج وأخلاق أهل الفريج وبالتالي سمعة بلدنا وسمعة أبناء وطننا. أعتقد جازماً أن أخلاق البحرينيين ليس من السهل أن تقتلع من الجذور فقد عشنا تجربة الآباء والأجداد وأدركنا قيمة الفريج والوطن، وبتنا ورثة أخلاق المدينة والقرية، والأهم أننا ورثة حضارة تعود إلى خمسة آلاف سنة قبل الميلاد كان بها عمران وكان بها تقديس وأعراف وطقوس وشواهد ولقى أثرية تدل على رقي في الذوق وحس مرهف وحرص على الحياة، واحترام لقدر الموت فهل ينهض أبناء ورجال الفريج في مدننا وقرانا لتنظيف جدراننا وإزالة ما علق بها، لنعيد لها نظارتها ولونها الأبيض الناصع الذي ينم عن طهارة ونقاء وصفاء روح أهل البحرين وتسامحهم وتعاطفهم واحترامهم للكبير والصغير ولكل شيء جميل، فهو عنوان حضارتهم ورقيهم وأنسانيتهم؟ وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا