النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10757 الجمعة 21 سبتمبر 2018 الموافق 11 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:08AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:39PM
  • العشاء
    7:09PM

كتاب الايام

الجغرافيا العربية باحة لحرب المشاريع

رابط مختصر
العدد 9220 الثلاثاء 8 يوليو 2014 الموافق 10 رمضان 1435

إن جغرافية العالم من الشرق الى الغرب ومنه الى الشرق ومن الجنوب الى الشمال تعيش حالة طبيعية من المد والجزر وحالة من الاستقرار بمستوياتها المعاشة والمقبولة نسبياً، وهذه النسبية تتفاوت في درجات الأمن والاستقرار، ولكنها كلها في التراوح المعقول والمقبول؛ إلاّ بقعة واحدة يتيمة مترامية الجغرافيا تنطق بلسان واحد وتكتب بلغة واحدة، جامعة الأديان السماوية كلها، غنية بمواردها الطبيعية ذات الأهمية الإستراتيجية، تتميز بموقع إستراتيجي فريد، يمتد من الغرب الذي يشاطئ المحيط الأطلسي إلى الغرب خليجاً يمتد أصبعاً بحرياً للمحيط الهندي الذي يشاطئ ثلاث قارات، وهذه البقعة ذاتها تتوسط قارات العالم القديم. هذه البقعة تجمعها ثقافة مشتركة عريقة تتجمع فيها موارد الفكر والإبداع من أعرق الثقافات التي عرفتها البشرية، وتُسَقِّفُها مؤسسة كبيرة، هي الثانية بعد الأمم المتحدة، تظلل اثنتين وعشرين دولة وتسمى بالجامعة العربية، لها مواثيقها وأجهزتها؛ تتصدر هذه الجامعة العربية دعامتان قويتان وهما ميثاق الدفاع المشترك والسوق المشتركة، وبتنفيذ هذين الميثاقين – التنفيذ الى اليوم وهم وخيال ومحال – كان بإمكان الشعب العربي على هذه الجغرافيا العظيمة أن ينعم بالأمن والرخاء والاستقرار وتماسك البنيان والهيبة أمام المحيط الإقليمي والفضاء الدولي. كبيرة ومؤلمة كلمة «لكن»، والأكثر إيلاماً أن هذه الـ «لكن» فرضناها على أنفسنا بذاتنا ولذاتنا، فلا ملامة منا على غيرنا. ولكن رغم كل هذه المقومات القوية إلى درجات العظمة، فهذه الجغرافيا العربية أصبحت باحة تعبث فيها المشاريع الإقليمية والدولية، وأصبح الشعب العربي مداساً ومحرقة لحرب المشاريع، وهذه الحرب لا تميز بين سلطة وشعب ولا بين دين ودين ولا بين مذهب ومذهب، ولا تراعي أبسط القوانين الدولية التي من المفترض على سدنتها أن تصون الوحدة الإقليمية للدول التي تنضوي تحت سقف الأمم المتحدة؛ ولكن رغم القوانين الدولية وبالرغم من سلطة الأمم المتحدة فإن الأقاليم العربية، المجزأة أصلاً، هي الاّن أكثر عرضة للتفكيك وتجزئة المجزأ وتقطيع أوصالها. فهذه الجغرافيا وبلحمها البشري أصبحت «طماشة» أمام المجتمع الدولي وشعوبه، وأصبحنا حديث الكون كله، ولكن رغم كل هذه المآسي الكارثية لا حياة لمن تنادي. إن هذا الشعب العربي من محيطه إلى خليجه لم يكن في غفلة من الوعي ببعض من هذه المشاريع ومنذ الاتفاق البريطاني – الفرنسي المعروف باتفاقية سايكس بيكو، هذه الاتفاقية التآمرية التي خطتها مدافع الحرب العالمية الأولى، وهذا الشعب يصرخ ويستغيث، يحلل ويناقش، ولكن جُلَّ هذا الجهد في وجه المشاريع «العدوانية» المتعاركة على أرضه كان ينحصر ويتركز باختزال، عصي على الفهم، في مفهوم استنتاجي يتيم واحد وهو «المؤامرة»، مؤامرة مؤامرة ليس إلَّا. ومع منطق المؤامرة لابد من المنطق المقابل الرادع صوناً للذات وبالذات، ولكن هذا المنطق المقابل الرادع ترادف، بالمنطق الصوري، مع منطق المؤامرة وتمازج معه لينتج أكبر قاموس لمرادفات السب والشتم واللعن، حتى منابر الإيمان الروحاني استحوذت عليها هذه المرادفات فأصبحت لازمة من لوازم ألْسُنِيَّتَها الناطقة بالصراخ والعويل وتناست دورها الروحاني في نشر رياحين المحبة والسلام والهداية إلى الخير؛ في ذات الوقت كان الجسم العربي تتناخره سوء الإدارة من سياسة واقتصاد وتعليم إلى أن فقد الكل، من أعلى الهرم إلى أدنى قاعدته، بوصلة الاتجاه للاسترشاد بها على الصراط المستقيم، وأخذت الثغرات تتوالى وتتكاثر في جسمه وتحيله إلى جسم مريض هزيل لا يقوى على حمل نفسه، وكل هذا من فعل الذات للذات؛ وهذه الحالة المرضية في جسم «مهيب عظيم» استهوت أصحاب المشاريع لتعيث فساداً على الأرض العربية، وأخذت هذه المشاريع بمختلف مشاربها المتناقضة والمتعاركة تخترق الثغرات ثغرة ثغرة وتفتت من وحدة الأمة الواحدة إقليما إقليماً، وتفكك الإقليم ديناً ومذهباً وقبيلة، والأمة ذاتها عوناً وسنداً على هذا التفكيك، حتى أصبحت الأقاليم العربية، بمسمى دولها، شراذم متناحرة تحت عباءة الدين والمذهب والقبيلة وفقدت الوطنية عظمها ولحمها، وأما القومية فإنها تمتطي دابة عرجاء تسابق كيانات الذرة واختراق الفضاء؛ فأصبح الشعب الواحد في الإقليم الواحد كونتونات بشرية مختلفة الانتماء بالهوية الفرعية، ومتعاركة المصالح على هوى مصالح المشاريع الدخيلة. في الوقت الذي كان فيه سلاحنا ضد المؤامرة الدخيلة هو قاموس السب والشتم واللعن ليس إلّا، وإذا بنا نتعارك فيما بيننا بكل ما توفر من أنواع أسلحة الفتك والدمار، ونقسوا على بعضنا البعض بكل صنوف العنف و الهمجية دون أدنى اعتبار للذي كان يجمع بيننا ذات يوم من ألفة ومحبة، ونصب الزيت على نار تعاركنا بإعلام قوامه قاموسنا آنف الذكر، قاموس السب والشتم واللعن. المشاريع الدخيلة والنافذة في الجسم العربي جندت تشرذم الانتماءات الفرعية في الجسم الواحد لصالحها، فأخذ هذا الشعب العربي يقاتل نفسه بسلاح من عرق جبينه خدمة لأعدائه، وهو بهذه الفعلة يتوهم طرباً وسَكَراً أنه صاحب مشروع تطهيري وإصلاحي. لم يحدث في التاريخ البشري الموثق أبداً أن حدث مثل الذي يحدث على أرض هي جفرافيا قائمة بذاتها، ولشعب يشهد التاريخ ذاته لدوره في وضع لبنات بارزة في بنيان الحضارة البشرية. ولكن رغم كل هذه المآسي والتشرذم والتقاتل والتآكل في الذات، مازال الشعب العربي متشبثاً بمنطق المؤامرة الخارجية باختزال مطلق دون البحث في أمراض الذات، وسلاحه الوحيد قاموس السب والشتم واللعن ضد الغير. لم يرد بعد في خاطر هذا الشعب، في كليته، السؤال البسيط في مكونه اللغوي والعظيم في مدلوله المصيري ألا و هو: ما العمل؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا