النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10814 السبت 17 نوفمبر 2018 الموافق 9 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27AM
  • المغرب
    4:48AM
  • العشاء
    6:18AM

كتاب الايام

النُخَبُ وهذه «الجماهير»

رابط مختصر
العدد 9199 الثلاثاء 17 يونيو 2014 الموافق 19 شعبان 1435

الإنسان هو صانع المشاكل والأزمات إلى مستويات الكوارث، وهذا الإنسان ومنذ أن ارتقى على سلم البناء البيولوجي والتكتل الاجتماعي وتكونت عنده ملكة الوعي، وهو في صراع مع نفسه على عِلَّةِ الغرائز التي تشده إلى مادة الحياة ومتعتها. وبوتقة الأنا في ذاته حِصْنٌ للغرائز، وكلما انحصر وجوده الفكري في هذا الحصن كلما ابتعد عن مجتمعه، لا بكينونيته الجسدية ولكن بتفاعلات فكره ونزعات الطموح الكامنة في بوتقة الأنا في ذاته. فهو جسم لصيق بالأجسام المتراصة والمتدافعة والعائمة والغاطسة في بحر المجتمع، الهادئ حيناً والهائج حيناً، بينما وعيه حبيس الذات وفكره غريب على المجتمع الذي يعيش فيه، إلّا فيما قد يستحصله من هذا المجتمع ويرضي طموحه الذاتي دون أدنى اعتبار أو التفاتة للمجتمع في وحدته الكلية ومصيره المشترك. وهذا هو الصنف الأناني في جملة البشر النَزَّاعِ إلى الولوج في دهاليز وأنفاق النفاق والإنتهازية استحصالاً من المنافع للذات على حساب الغير وعلى أنقاض المجتمع. وعلى النقيض من هذا الصنف العاشق للذات، هناك الصنف الملاصق للمكون الإجتماعي برمته والمنفتح بفكره ووعيه على المجتمع في وحدته وتماسكه والمشارك في طموحاته والمدرك لمتطلباته وحاجياته، والساعي للعمل بإخلاص ومثابرة من أجل الارتقاء بالمجتمع والمواطن إلى درجات الرقي والازدهار ودعم الحق في المجتمع والعمل على تأمين الحقوق للمواطنين، في ظل مجتمع تسوده المحبة والإنسجام وروح المواطنة الجامعة والحقوق العادلة، بغض النظر عن الانتماءات الفرعية للمواطنين. هذا الإنسان يوازن بين الأنا في ذاته والأنا في مجتمعه، فذاته مصهورة في مجتمعه، ويرى قيمة ذاته ومَنَعَتَها في وحدة مجتمعه، وليس هو بالذي يأخذ مجتمعه مطية لأنانيته. هذان الصنفان من الناس يعيان وعياً واسعاً وعميقاً عمّا يجري حولهما، ويحملان من الفكر والمعرفة والمهارات المهنية والتخصصية ما يعينهما على التفاعل والتعاطي مع المشاكل والأزمات الاجتماعية والوطنية، كل على هوى نزعته، فهذا لنفسه دون غيره وذاك لنفسه ولغيره. وهذان الصنفان هما نُخْبَةُ الثقافة والفكر والتكنوقراطيا في المجتمع. ونخبة الثقافة هذه تتخلل مفاصل التعامل والتمصلح مع نخب السياسة والاقتصاد، كل على هوى نزعته أو قواعد مبادئه. وبين هذا وذاك، هناك جموع الناس في قاعدة الحراك الإنتاجي والخدماتي، والذي بدونه لا يمكن لأي مجتمع أن يتنفس، ولا لنخبة السياسة أن تقود وتتحصن بعروش السلطة، ولا لنخبة الإقتصاد أن تجني ثمار الأرباح وتتربع على عرش الغنى والرفاه، ولا لنخبة الثقافة أن تفكر وتنتج أدباً وفناً وهي تتربع على عرش الثقافة الزاهي. هذا الجمع من الناس إصْطُلِحَ على تسميته «الجماهير»، والكل يعيش على ويستعيش من هذا «الجماهير»؛ وبشهادة من التاريخ، الذي لايحيد عن منطق الحق والحقائق، فإن هذا «الجماهير» هو صانع التاريخ، بينما عناوين التاريخ ومُوَثَّقاتِهِ وملصقاته تستحوذ عليها نخب السياسة والإقتصاد والثقافة. هذا «الجماهير» هو مادة الصراع ووقوده في الأزمات والحروب التي تتسبب بها نخب السياسة والإقتصاد، بينما أنانية جوقة الثقافة وانتهازيتها تتراقص على أنغام التمصلح ؛ والنخب وخاصة النخب السياسية من سلطة ومعارضة تغذي هذا «الجماهير» بموادها الإعلامية المطعمة بالآمال العظام والهواجس المرعبة لتجرها إلى مواقعها وتزجها في صراعاتها، وما ان ينقشع دخان الأزمة والصراع وتجني نخب الصراع مستحقاتها حتى يعود هذا «الجماهير» إلى ثكناته الطبقية ليباشر دوره المعهود في الإنتاج والخدمات حتى يتنفس المجتمع من جديد وتَتَرَفَّهَ النخب وتطمئن وتستريح، بينما هذا «الجماهير»، في معظم الصراعات، يخرج من «المولد بلا حمص». لقد انبرى عدد من المثقفين والباحثين في بحث موضوع هذا «الجماهير»، فالكاتب الأمريكي إيريك هوفر يصف هذا «الجماهير» بالمؤمن الصادق، وهذا الوصف هو عنوان كتابه؛ والصدق والإيمان في هذا «الجماهير» من موقع أنه يمكن تطويع هذا «الجماهير» حسب مشيئة النخب التي تمتطي هذا «الجماهير» من أجل استغلاله واستخدامه وقوداً في صراعاته وحروبه. استكمالاً لهذا الكتاب البحثي، هناك الكاتب الفرنسي المتخصص في علم النفس غوستاف لوبان والذي يوضح في كتابه «سيكولوجية الجماهير» بأن هذا «الجماهير» في تجمعه الجماهيري، حول قضية معينة، تتحول من العقلانية الفردية إلى اللاعقلانية الجماهيرية، أي أن الفرد عندما ينخرط أو يُساقُ به إلى دائرة الجمهرة – الموجهة – فإن هذا «الجماهير» يفقد عقله ويتصرف بغوغائية عاطفية نزاعة إلى العنف؛ (هذه اللاعقلانية والعاطفة الغوغائية والنزعة إلى العنف هي التي تريدها النخب المتصارعة). المأخذ الأساسي على هذه المؤلفات التي تتناول موضوع هذا «الجماهير»، أنها تتناول الموضوع في معزل عن جوانبه الاجتماعية وعن حقيقة «وحدة التناقض» في المجتمع الواحد، وتتغافل هذه المؤلفات عن العلاقات الجدلية الحتمية والقائمة بالضرورة في كل المجتمعات، من سياسة واقتصاد وعمل وثقافة. وهكذا نرى أن هذه المؤلفات ترسل رسائل مشوهة إلى قرائها، ومعظم هؤلاء القراء من النخب السياسية والثقافية، وهذه النخب تؤمن إيماناً راسخاً بكل ما جاء في هذه المؤلفات دون نقد ولا مراجعة من حيث التكامل الموضوعي لعناصر البحث التي اعتمدها هؤلاء المؤلفون لبلورة الفكرة التي يريدون استخلاصها. وأخطر ما في هذه المؤلفات أنها تضع هذا «الجماهير» خارج السور – الإنساني – وكأن هذا «الجماهير» جسم غريب وشاذ على المجتمع وكأنه شر لابد منه ؛ إضافة إلى تحول هذه المؤلفات إلى مراجع استرشادية عند النخب السياسية والثقافية في كيفية استغلالها وتعاملها مع هذا «الجماهير»، مثلما كان الحال مع كتاب «الأمير» لميكيافيللي؛ وتكاد هذه المؤلفات أن تُعَبِّدَ الطريق إلى عبودية النظام الرأسمالي بعد أن تم القضاء على عبودية النظام الإقطاعي. استرجاعاً من مخزون الذاكرة لنسترشد بقول فيلسوف «الجماهير» سقراط عندما أطلق حكمته الشهيرة في كلمتين: «اعرف نفسك». فهل تعرف النخب نفسها؟ إن النخب ذاتها، وأكثر من غيرها، في حاجة إلى من يُعَرِّفُهَا بنفسها حتى تعود إلى رشد الطبيعة البشرية الطيبة والمسالمة والمتوازنة، وتدرك بالوعي اليقين أن مصيرها الوجودي مرتبط بوجود هذا «الجماهير» في حُلَّتِهِ الحقوقية دون انتقاص وأن هذا «الجماهير» ليس شراً لابد منه، ولكنه خير كل الخير إذا تصرفت النخب معه بالعدل والإنصاف. في مقابل التركيز على دراسة هذا «الجماهير»، التي تناولت الأعراض دون الأسباب، فإن هناك حاجة ماسة وملحة بأن يتناول علماء الاجتماع وعلماء النفس والفلاسفة التنويريون موضوع النُخَبِ بالدراسة والتحليل حتى يمكن سبر غور شوائب الطموح الأناني في نفوسهم وتعريفهم بأنفسهم. فَرَحْمَةً يا أيتها النخب الذكية والمتذاكية والطموحة والمتسلقة بهذا «الجماهير» وكفاكم عبثاً بحياته ومصيره.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا