النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10818 الأربعاء 21 نوفمبر 2018 الموافق 13 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

تطوير الخطاب الديني نحو أنسنة الخطاب الديني

رابط مختصر
العدد 9196 السبت 14 يونيو 2014 الموافق 16 شعبان 1435

الخطاب الديني المعاصر في مجالاته الثلاثة: التعليمي والدعوي والافتائي، وفي وجوهه المختلفة: التقليدي المحافظ، السياسي المؤدلج، المعتدل الوسطي، مسموعاً أو مقروءاً أو مشاهداً، ورقياً أو إلكترونياً، في وضع انفصامي مع حركة مجتمعاتنا، لا تواكب تغيراتها السياسية والاجتماعية وتطلعاتها إلى مستقبل أفضل، وحتى نتجنب التعميم فإن الجانب الأكبر من هذا الخطاب المؤثر في الشباب والمشكل لوجدانهم وعقلياتهم وتصوراتهم وسلوكياتهم، وبخاصة الشباب الذين عندهم القابلية للتضحية بأنفسهم تحت شعار «الجهاد» في وضع مأزوم. علل وأمراض الخطاب الديني المعاصر، عديدة، شخصها باحثون ومتخصصون في العديد من البحوث والمقالات والندوات والمؤتمرات حول «تجديد الخطاب الديني» على امتداد السنوات التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي ضربت أمريكا وجسدت أبرز دلائل فشل الخطاب الديني في تحصين الشباب المسلم وحمايته من الانحراف، وكان آخر هذه المؤتمرات، مؤتمر «الخطاب الديني: اشكالياته وتحديات التجديد» 17-18 مايو، مراكش، نظمته مؤسسة «مؤمنون بلا حدود» وهي مؤسسة بحثية مستقلة تسعى لتحقيق رؤية إنسانية للدين منفتحة على العلم والمكتسبات الحضارية، تؤمن بأهلية الانسان على إدارة حياته ومجتمعاته، متخطياً الوصايات الأيدلوجية، وأن خيرية الانسان أوسع من اختزالها في دين أو عرق أو طائفة، وأن كرامته تكمن في احترام حريته الفكرية والاعتقادية. وقد لا يتسع المجال لذكر كافة علل الخطاب الديني ولكن من الأهمية أن ندرك أن الخلل الأكبر للخطاب ليس شكلياً متعلقاً بجموده وقصوره وإنما يتعلق ببنية الخطاب ومضامينه ومكوناته وأهدافه، فهو خلل متأصل في عجز بنيوي عميق عن استيعاب التغيرات السياسية والاجتماعية وحركة مجتمعاتنا الحالية وتطلعها إلى تجاوز فجوة التخلف الواسعة التي تفصلنا عن عالم المزدهرين. مازلت مؤمناً بأن إصلاح الخطاب الديني وتطويره، هو المدخل الضروري الأهم لإصلاح الأوضاع العامة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وطبقاً لـ «اعلان باريس» أغسطس 2003 فإن تجديد الخطاب الديني ضرورة ملحة عبور الفجوة بين العالم العربي والإسلامي والعالم المتقدم، وعامل رئيسي في تجديد الحياة السياسية والاجتماعية في العالم العربي، هذا الخطاب الديني السائد على امتداد العقود الثلاثة الأخيرة، هو انتاج ما سمي بـ «الصحوة الدينية» عقب إفلاس وانحسار طروحات التيارين: القومي واليساري، وقد أصبح اليوم عاملاً معوقاً للتطور وفشل في حماية شبابنا من أمراض التطرف والغلو وأخفق في تحصين مجتمعاتنا أمام غزو الفكر الإرهابي، بل حمل فيروساته إلى ديار المهجر في الغرب فزاد المسلمين هناك رهقاً وأظهر من بين ظهرانيهم من شوه صورة الجهاد الإسلامي، وأقلق الغرب وزاد من توجسه من المسلمين والإسلام، ليستغله اليمين المتطرف وينشط متصدراً الساحة الغربية. لقد أورد هذا الخطاب، شباب المسلمين، المهالك، زين لهم الانتحار وسماه «اسمى الجهاد» وحولهم قنابل بشرية طائرة وأدمغة مفخخة وأحزمة ناسفة ومشاريع للشهادة –يعجب المرأ لشاب يافع متألق يعشق كرة السلة يعيش في فلوريدا يأتي إلى سوريا لينضم إلى جبهة النصرة ليقود شاحنة محملة بـ 16 طناً من المتفجرات فيفجرها في مطعم لجنود النظام!– حتى «القوارير» تم تفخيخها تحت شعار «مشروع شهيد» وفضلاً عن ذلك، فقد أخفق هذا الخطاب في تصحيح المفاهيم المغلوطة عن الإسلام وتحول إلى عامل «تأزيم» وفرقة بين المسلمين، ومصدر تهديد للوحدة الوطنية في المجتمع الواحدة –راجع: محنة المسيحيين في الشرق الأوسط، مهد المسيحية، للأمير تشارز-. لقد أصبح جانب كبير من الخطاب الديني عبر المنابر والفضائيات الديني والألكترونية، خطاب تعبئة وشحن وتحريض على الكراهية وتكريس الانقسام ومعاداة مفاهيم الحرية الدينية وحقوق الإنسان، إن علة العلل في الخطاب الديني المعاصر، أنه مشدود إلى الماضي، إلى مفاهيم وحلول ومقولات كانت صالحة في زمنها، لكن انتهت صلاحيتها ولم تعد صالحة لقضايا ومفاهيم عصرنا. مازالت صورة المرأة في الخطاب الديني المعاصر، صورة غير منصفة: دينياً وإنسانياً وأخلاقياً، فهي إما مخلوق يخاف من فتنته وإما عرض يخاف عليه، وفي الحالتين يجب فرض وصاية الولي عليه دائماً. يكرس الخطاب الديني المعاصر، نموذجه الأسمى للمرأة في: زوجه مطيعة لزوجها، وأم مربية لأولادها، ملتزمة لبيتها فحسب، دون أن يكون لها إسهام تنموي مجتمعي، كما ان صورة «الآخر» في الخطاب الإسلامي المعاصر «مستريبة» تبعاً للمثل الشعبي «اللي ما هو على دينك، ما يعينك» وذلك في عالم تقاربت شعوبه وسقطت حواجزه وأصبحت احتياجاته متبادلة وتحدياته مشتركة، ومازال الخطاب الديني المعاصر، مسكوناً بالغرب وأمريكا والمؤمارات العالمية ومخططات بني صهيون، يرى أن علة تخلفنا، هي الهيمنة الأمريكية والغربية على مقدراتنا، بل إن قطاعاً من الرموز الدينية يرفض الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني بحجة أنها إملاءات الآخر الي يريد إلغاء التعليم الديني وحذف آيات الجهاد بهدف التغريب وطمس الهوية!. إننا اليوم بحاجة ماسة إلى تطوير الخطاب الديني و«أنسنته» ليصبح خطاباً يحتضن الإنسان لكونه «إنساناً» قبل أن يكون مسلماً أو غير مسلم، رجلاً أو امرأة، سنياً أو شيعياً، صوفياً أو سلفياً، نريد خطاباً دينياً يحبب شبابنا في الحياة وفي توظيف طاقاته في ميادين السباق الحضاري لا الهدم والتدمير وإزهاق الأرواح، نريد خطاباً إنسانياً يشيع مشاعر البهجة والسرور والفرح في مجتمعاتنا ويؤكد القيم الأخلاقية الرفيعة، فرسولنا (ص) «رحمة مهداة» وقد بعث ليتمم مكارم الأخلاق والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، نريد خطاباً إنسانياً متسامحاً ومنسجماً مع روح العصر ومنفتحاً على الثقافات الإنسانية، يزيل توجس العالم منا كما يزيل هواجسنا التآمرية تجاهه. لقد خسرنا كثيراً برفضنا للعالم بأكثر من رفض العالم لنا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا