النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10760 الإثنين 24 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

المدى الاستيعابي للأزمات

رابط مختصر
العدد 9185 الثلاثاء 3 يونيو 2014 الموافق 5 شعبان 1435

تتولد أو تتفجر الأزمات الكبيرة في المجتمعات وبشكل أساسي عندما تختل موازين التمصلح –المصالح المتبادبة والمتشابكة– بين أعمدة المجتمع الثلاث وهي السياسة والاقتصاد والعمل؛ والتجاذب والتنافر بين الأعمدة الثلاث تبرز على سطح الأحداث في شكل علاقة غير متوازنة بين نخبة القرار وهي السلطة السياسية وأطراف التحالف معها وبين موضوع القرار وهو قاعدة العمل والإنتاج أي القاعدة العريضة للقوى العاملة التي لا تملك أي شكل من أشكال وسائل الإنتاج ولكنها تعيش على بيع طاقة عملها؛ والوجه الاخر المناقض للأزمات هو الاستقرار والطمأنينة في حال التوازن بين الأعمدة الثلاث، وهذه الحالة من الاستقرار الاجتماعي والأمن الوطني هي مسؤولية السياسة والاقتصاد بالدرجة الأولى مع ضرورة التجاوب والتعاون من قبل العمل عندما يطمئن على مصالحه الاقتصادية والسياسية والحقوقية. هذه هي المعادلة التقليدية لتفجر الأزمات أو الاستقرار في المجتمعات والتي تنحصر في عناصرها الذاتية، وتختلف هذه المعادلة عن معادلة التدخلات الخارجية من إقليمية ودولية عبر جيوب النفوذ لسلطة الخارج –الطابور الخامس– في المجتمعات؛ وقد كشف لنا مسلسل الأزمات في العالم العربي ومنذ عام 2011 أنَّ المعادلة التقليدية قد تداخلت فيها المعادلة الإقليمية والدولية بشكل فج وقبيح، مما يلقي مسؤولية مصيرية على كاهل السياسة والاقتصاد حتى لا ينجرف العمل خارج المعادلة الوطنية التقليدية ويتم حصر الأزمة في حدودها الوطنية والتي يمكن ويسهل عندها إعادة المياه إلى مجرى الاستقرار والاطمئنان بإعادة حالة التوازن المقبول للأطراف كافة؛ ومن موقع هذه المسؤولية المصيرية فإنه من الواجب والبديهي، حتى تستقيم الأمور، أن تتيقن وتقتنع السياسة والاقتصاد أنهما ضلعان في مثلث بنيوي لا يكتمل إلاّ بالضلع الثالث وهو العمل، فكل ضلع في هذا المثلث لصيق لازم وملتزم بالضلعين الاّخرين وإنه في حالة إسقاط أي ضلع فإنَّ المثلث ينتهي من الوجود، وهذه قاعدة علمية رياضية لا مجال لإنكارها. ومع تفجر الأزمات تترادف معها لزوم ما يلزم من الصراع والعراك والمواجهة بمختلف أشكالها من مواجهات أمنية في ثنائية التخريب والرد الأمني، والتجمهر في مناطق حساسة لتعطيل المصالح العامة حتى تصل الرسائل المطلوبة، وهذا المنحى من العراك يستدعي الجهد الفعال لإزالة العراقيل أمام المواطنين والوافدين من أجل الاستمرار في أعمالهم ومتابعة مصالحهم، وتنتشر على الوسائل الإعلامية، وخاصة الاّن مع توفر وسائط التواصل الاجتماعي، تغريدات ومواد دعائية وتحريضية تزكم الأنوف وبعضها تصب الزيت على النار؛ ومع كل هذا العراك تتصاعد في الجو الاجتماعي أغبرة، وتبقى هذه الأغبرة نشطة في الأجواء الاجتماعية طالما بقي العراك ساخناً مما يعني استمرار الأزمة دون بارقة أمل لخلخلة الأزمة وإيجاد حل توافقي ومرض لها. ولكن من الطبيعي أن حالات عدم التوازن وما يصاحبها من سخونة العراك لا يمكن تحملها إلى ما لا نهاية وذلك على النقيض من حالات السلم والاستقرار التي يتمنى الجميع استمرارها وديمومتها. فالأزمات لا بد لها أن تنتهي بإرادة أطراف النزاع، وأنه حتى سخونة العراك تتهابط حرارتها إذا ما طال أمد الأزمة، لأن العراك ينهك جميع الأطراف ويستنزف الموارد ويعطل المصالح، وهذا أمر لا يمكن أن يستقيم، ومع برودة الأزمة رغم استمراريتها تترسب الأغبرة في الجو الاجتماعي وتكسو الأزمة رماداً. وهكذا تتصاعد أنفاس حفظ ماء الوجه ولأن استمرار الأزمة يعني فشل الأطراف ذات العلاقة من خلخلة الأزمة وعدم التمكن من حل مقبول أو حسم مفروض، والكل محاسب أمام هذا الفشل. وحفظ ماء الوجه قد يعني التراجع أو الاستسلام من طرف لصالح طرف، أو قبول الطرفين بسقوف أدنى؛ وفي حالات الحسم المفروض والمرفوض في مكنون الذات فإنَّ الأزمة تندفن جمرة تحت الرماد، وتبقى الأزمة كامنة حية ساكنة تتنفس تحت الرماد. الأزمة تحت الرماد قد تأخذ أمداً من مسافات الزمان تطول أو تقصر، ولكنها ستنفض الرماد عنها بعد حين، وتعود حرارة الأزمة إلى أجواء المجتمع في ثوب جديد وعنفوان شديد، وعندها يكون لكل حادث حديث. التاريخ البشري شاهدٌ على كل شاردة وواردة وعلى صنوف الأزمات ومنها بطبيعة الحال الأزمات الكبيرة التي تفجرت ومن ثم اندفنت تحت الرماد، وبعد حين انتفضت من تحت الرماد لتفجر المكنون الناضج من الأزمة وبعنفوان أشد نشاطاً وأقوى عراكاً. فالمدرسة، مدرسة التاريخ، تحدثنا عن الحراك السلمي لجمهرة باريس المطالبة بالخبز وهي تطرق أبواب قصر فرساي، ولكن كل ما حصلت عليه هذه الجمهرة المسالمة هو سراب البسكويت الملطخ بالإهانة الموجعة في النفس والكرامة؛ وكذلك الجمهرة المسالمة والمطالبة بالخبز وهي تطرق أبواب قصر القيصر الروسي والتي انفتحت عليها أبواب جهنم بأرتال من الخيالة والسيوف تتراقص لَمَّاعَة في أياديهم وترد على مطالب الخبز بالدم ووالقهر والحسم؛ وكومونة باريس بما لها وما عليها، ذات الطموحات الكبيرة والقدرات المتواضعة وفي أجواء أشبه بالحرب الأهلية، وما كان لهذه الكومونة إلاّ أن تواجه النتائج الكارثية. في كل هذه الحالات، وهي فيض من غيث، لم تمت الأزمات بالحزم والحسم القاطع، ولكنها بقت متيقضة، رغم جروحها، وبقت جمرة تحت الرماد إلى حين موعدِ نفضِ الرماد عنها، وكان ما كان مما خطه التاريخ لنا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا