النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10810 الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 الموافق 5 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:35AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

كتاب الايام

المسيحية بين التبشير والسلطة

رابط مختصر
العدد 9178 الثلاثاء 27 مايو 2014 الموافق 28 رجب 1435

تتوسط المسيحية الأديان، السماوية الثلاث, وتتجاذب هذا الدين المسيحي منذ إنبثاقته الأولى وإلى اليوم حضارتان هما حضارة الشرق وحضارة الغرب؛ فقد انبثق نور هذا الدين من الشرق على أرض فلسطين التي كانت في ذاك الزمان تحت سلطة (الغرب) الأمبراطورية الرومانية, وهذا التمازج بين أرض الشرق التي تبرعمت فيها المسيحية ونمت وأيعنت وأثمرت, وبين سلطة الغرب التي اقتبست المسيحية واستثمرتها لتدعيم سلطتها الأمبراطورية وأفقدت هذا الدين السمح المتسامح من نور ضيائه وبهاء رونقه تحت سقف الجغرافيا الغربية إنطلاقاً من روما عاصمة الأمبراطورية، يعود الفضل في هذا التمازج للقديس بولس الذي بذل جهداً كبيراً في امتداد المسيحية من الشرق إلى الغرب بدءاً من القرن الميلادي الأول؛ وما أن تأسست المسيحية وانتشرت شرقاً وغرباً بفضل القديسين والمبشرين حتى أصبحت وبالاً على المؤمنين بها وخاصة في الغرب حيث تعرض المسيحيون لجميع صنوف الاضطهاد والقتل والتنكيل وتقديمهم وجبات حية لأسود جائعة، وكانت هذه مرحلة الإمساك بالجمرة، مرحلة التبشير الديني الصرف والإيمان الصافي المجرد من نزعة السلطة والتسلط، والمبشر بالدين الجديد بالحوار والإقناع لا بالقسر وفرض الإرادة؛ ورغم أن السلطة الأمبراطورية كانت عدوة لدودة غير رحيمة للمسيحيين، إلاّ أن الروح المسيحية استطاعت أن تنفذ في بنية الأمبراطورية الرومانية ومفاصلها، ما اضطرها إلى الاعتراف بالدين المسيحي وإيقاف حملات الإضطهاد والتنكيل؛ ولكن الأمبراطورية الرومانية لم تقف عند حدود الاعتراف بها ديناً ضمن أديان الأمبراطورية ـ وليتها وقفت عند حدود الاعتراف فقط ـ ولكنها تبنت الديانة المسيحية وجعلتها دين الأمبراطورية, وكان ذلك في عهد الأمبراطور قسطنطين في النصف الأول من القرن الرابع الميلادي وتَسَمَّى بالقديس؛ فتمازج الدين بالسلطة، وصارت الغلبة لنزعة السلطة على محاسن الدين، وهكذا تحول الحال من مسكة الجمرة إلى مسكة السلطة؛ وغابت الحِكَمُ العظيمة من أرض الواقع من أمثال «اللهم إعطنا خبز يومنا» و«من ضربك على خدك الأيمن فقدم له الاخر أيضاً»؛ وإذا بالسلطة الغالبة على الدين والمتوشحة بردائه تسعى إلى الملك والتوسع وفرض الإرادة وتحويل سياط الإضطهاد والتنكيل من المسيحيين إلى من لا يؤمن بالمسيحية؛ لم يمر وقت طويل على هذه السلطة لتقدم على جرائم لا تمت إلى المسيحية بأية صلة اللهم إلاّ صلة فرض الإرادة على المسيحية نفسها وزرع نزعة الغريزة في نفوس المسيحيين مقابل نهج الفكر والتبشير والإقناع, فتنامت في المجتمعات الخاضعة للأمبراطورية مجموعات غوغائية لا تتردد في قتل من هم على غير دينهم. وبسرعة انتشرت سلطة الدولة المسيحية في أرجاء الأمبراطورية وبنهج جديد مناقض للنهج الأصيل وكانت الإسكندرية في حينها مركزاً للعلم وبها أكبر مكتبة علمية, ومن أشهر علمائها عالم الرياضيات والفيلسوف ثيون وكانت ابنته هيباتيا عالمة في الرياضيات والفلك والفلسفة ولها مكانة مرموقة في المجتمع وقريبة من الوالي أوريستوس، إلاّ أن هذه المناقب والفضائل كلها لم تشفع لها فكان قتلها سحلاً على طرقات الإسكندرية على أيدي غوغائيين (غيورين على المسيحية!!!) حتى تسلخ جلدها وتقطعت أوصالها وكانت هذه الجريمة بإيعاز من أسقف الإسكندرية كيرلس الذي كان يهابه الجميع بمن فيهم الوالي، وبعد أن أصبحت جثة مقطعة ألقوها فوق كومة من الأخشاب وأشعلوا فيها النيران, وكان ذلك في شهر مارس عام 415 م، أي أقل من مائة عام على تبني روما المسيحية. وأضحى العنف والتنكيل والقتل سحلاً ضد اليهود والوثنيين في ربوع المناطق الخاضعة تحت سلطة الأمبراطورية الرومانية والسلطة البابوية نهجاً عملياً مقبولاً ومباركاً من قبل السلطة المزدوجة (الدين والسياسة). تفجرت نزعة التوسع والتسلط عند هذه السلطة الأمبراطورية التي تتدثر برداء المسيحية لتشن حروبها الصليبية المشينة المعروفة، باعتراف أهلها, بمجازرها البشعة ضد المسلمين واليهود وضد المسيحية الشرقية الأصيلة التي كانت تنأى بنفسها أن تكون تابعة لإمبراطورية الإضطهاد والتنكيل, وكانت هذه السلطة المزدوجة تسعى أن تكون الوصية المطلقة على جموع المسيحيين في العالم وتدمر كل ما هو غير مسيحي. مع تراكم تأثير العنف والإضطهاد والتنكيل طفح الكيل وتوضحت الرؤية أمام ملوك ونبلاء وشعوب أوروبا التي كانت تعيش تحت رحمة السلطة المطلقة للبابوية المقدسة, وحتى بعض رجال الدين المسيحيين وتحت قبة البابوية, وتنامت في النفوس روح التمرد على الكنيسة البابوية وكانت باكورتها الشق الفاصل في جسم السلطة البابوية بإعلان مارتن لوثر الراهب الألماني والقسيس وأستاذ اللاهوت ومطلق عصر الإصلاح في أوروبا بإعلان رسالته الشهيرة عام 1517 والتي اعترض فيها على «صكوك الغفران» وانشقاقه عن السلطة البابوية (الكاثوليكية) وتأسيسه لمذهب جديد هو البروتستانتية, وقد فَجَّرَ هذا الانشقاق حروباً مذهبية ومجازر متبادلة استمرت إلى خواتم القرن الثامن عشر, وحصدت من الأرواح مئات الألوف من الأبرياء على أيدي (أبرياء) غوغائيين مُغَرَّرِين؛ ومن المجازر الشهيرة مجزرة (القديس!!!) برثولوميو في باريس في القرن السادس عشر ميلادي حيث القتلى عشرات الألوف على أيدي غوغائيين كاثوليك وبإيعاز ومباركة من القديس برثولوميو. وكانت الكنيسة البابوية تتصرف بمصير وحياة الملوك والنبلاء باسلوب قهري إلزامي معتبرة نفسها الوصية المطلقة والمخولة من الرب المسيح. في حين كانت المسيحية الغربية تنهش في ذاتها, كانت مسيحية الشرق, مسيحية النبع والأصل والحب والسلام ترقب وترصد في ألم وحيرة وكثير من الحرج. من القرن الرابع إلى القرن الثامن عشر ميلادي، أي أربعة عشر قرناً من الزمان, كانت السماحة الدينية, التي هي جوهر المسيحية, مختطفة ومعطلة من قبل السلطة الدينية الممزوجة بالسلطة السياسية, إلى حين بزوغ نور التنوير الأوروبي والذي كان ثمرة عصر النهضة في القرن السادس عشر ميلادي, وأتى مفعوله بتفجر الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر, والذي أعاد للدين المسيحي مكانته الروحية ومكانه المقدس, فكان فصل الدين عن الدولة, أي تَجَرُّدَ الدين وتَطَهُّرِهِ من أردان السياسة وألاعيبها القذرة. وهكذا وُلِدَتْ الدولة العلمانية التي تبنت نهج التفكير الموضوعي الحر المسؤول الذي يدعو ويعمل على بناء الوطن على أساس المساواة والأخوة والعدالة دون تمييز بين المواطنين، ونبذ التفرقة الدينية والمذهبية والعرقية، وبعبارة عصرنا وجغرافيتنا نبذ الطائفية والقبلية. الفضل كل الفضل يعود إلى الفكر التنويري الذي أنتج مفهوم الدولة العلمانية وطبقها ووضع نهاية للحروب الدينية والمذهبية وجعل الدول التي تعيش تحت نهجها تنعم بالأمن والاستقرار والتقدم والنمو الاقتصادي والاجتماعي المستدام, وأن يُعِيْدَ للدين المسيحي وبقية الأديان والعقائد مكانتها الروحية وموقعها الآمن, وأعاد للإنسان كرامته وحقوقه بغض النظر عن عرقه ولونه ودينه وهويته؛ وكان هذا الفكر التنويري ومازال وسيظل هو الداعم الفعال لبناء الأوطان وزرع روح المواطنة والاحترام المتبادل بين الإنسان وأخيه الإنسان والعيش تحت سقف وطن واحد يتسع للجميع ويسعى لتحقيق الأمن والتقدم والرفاه لكل أبناء الوطن. ويسعى كذلك هذا الفكر التنويري العظيم إلى الجمع بين مختلف الأوطان في جغرافية الكون إلى تسامح إنساني شامل ينبذ العنف والإرهاب والحروب والمؤامرات السياسية من الساحة الدولية خدمة للبشرية جمعاء حتى يعم السلام والأمن والرخاء ربوع البيت الوحيد للإنسان وهو هذه الكرة الأرضية الغنية بمواردها الطبيعية وبقدرات الذكاء والعطاء عند أبنائها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا