النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10817 الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 الموافق 12 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

في الرئيس القادم لتونس

رابط مختصر
العدد 9173 الخميس 22 مايو 2014 الموافق 23 رجب 1435

نص الفصل 72 من الدستور التونسي الجديد ضمن القسم الأول المتعلق برئيس الجمهورية الوارد في الباب الرابع المخصص للسلطة التنفيذية على أن «رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدتها يضمن استقلالها واستمراريتها ويسهر على احترام الدستور». وجاء بالفقرة الثانية من الفصل 76 أنه «لا يجوز لرئيس الجمهورية الجمع بين مسؤولياته وأية مسؤولية حزبية». فأن يكون رئيس تونس رمزا لوحدتها، فيفترض به أن يحظى برضى وقبول أغلب الأطياف المؤثرة في المشهد السياسي، أي أن يكون توافقيا بعيدا عن التجاذبات السياسية وبعيدا عن الحسابات الضيقة للسياسيين. كما يفترض أن يكون حكيما ومهابا قادرا على جمع الفرقاء كلما اختلفوا فيما بينهم وكان اختلافهم مضرا بالمصلحة الوطنية لعموم التونسيين، وهو الدور الذي عجز المرزوقي على سبيل المثال عن القيام به طيلة أكثر من سنتين من تربعه على عرش قرطاج. ولعل وجود رئيس بهذه المواصفات سيجنب المجتمع المدني وعلى رأسه منظمتنا الشغيلة العريقة، التي ترعى الحوار الوطني، مشاكل هي في غنى عنها، ويجعلها أكثر تفرغا للقيام بالمهام المنوطة بعهدتها باعتبارها في علم الاجتماع السياسي جماعة ضغط تدافع على حقوق العمال وتسعى لتحسين أوضاعهم. كما أن رئيسا بهذه المواصفات سيعيد الهيبة لرئاسة الجمهورية، تلك المؤسسة الدستورية السيادية التي فقدت الكثير من «ألقها» خلال السنوات الثلاثة الماضية. ويفترض في الرئيس القادر على تحقيق استمرارية الدولة أن تكون له الحنكة والدهاء السياسي للخروج بالبلاد من الأزمات التي قد تعترضها سواء في علاقتها بالخارج أو على مستوى الداخل، أي أن يكون ديبلوماسيا فذا قادرا على التأثير الإيجابي إقليميا ودوليا في الحدود الدنيا المسموح بها، وله القدرة على فض النزاعات سلميا دون استنقاص من السيادة الوطنية، خاصة وأن الديبلوماسية الحكيمة الناعمة هي خط الدفاع الأول في أية استراتيجية دفاعية. كما يفترض أن يكون قويا ماسكا بزمام الأمور مطاعا مهابا من قوى الأمن والجيش ولديه القدرة على اتخاذ القرارات الحاسمة مع كل من يهدد أمن البلاد واستقرارها. وفيما يتعلق بضمانه لاستقلال البلاد، فلا يمكن للساكن القادم لقرطاج أن يحقق تلك الغاية ما لم يكن مؤمنا بالأمة التونسية وبخصوصية هذا الشعب التي تميزه عن غيره من أمم الأرض بما في ذلك من يشتركون معه في الانتماء إلى العروبة والإسلام أو حتى جيرانه الأفارقة والمتوسطيين. فأن يكون رئيس الجمهورية، مثلا، جزءا من تنظيم عالمي أو حاملا لفكر تدعي هذه العاصمة أو تلك رعايتها له أو حرصها على إحيائه ونشره، سيجعل شبهة ما تحوم حول حرصه على استقلال بلاده، ويصبح تغليبه للمصلحة الوطنية إذا تعارضت مع مصالح التنظيم الذي ينتمي إليه محل شك وريبة. وحتى يتحقق شرط الحفاظ على الاستقلال يفترض في الرئيس القادم لتونس أن يكون ملما بتاريخ هذه الأمة العريقة، معتزا بالانتماء إليها، مفاخرا بأمجادها الغابرة وتوقها الحاضر إلى «إعادة إنتاج نفسها»، واثقا من قدرته على الفعل، ساعيا لتحقيق أكبر قدر من الندية في علاقاته الخارجية حتى وإن تعلق الأمر بكبار القوم. أي باختصار زعيما وطنيا فذا لا يشق له غبار من طينة افتقدها التونسيون منذ عقود. ومن الشروط التي نص عليها الدستور الجديد، والواجب توفرها في رئيس البلاد أيضا، أن لا يجمع بين مسؤولياته وأية مسؤولية حزبية. فهناك خشية على ما يبدو من أمرين اثنين. أولهما أن يغلب الرئيس ولاءه الحزبي - بفعل الضغوط والاحتكاك المباشر بأبناء حزبه - على مصالح الوطن العليا، وثانيهما أن تعطل المسؤوليات الحزبية الرئيس عن أداء مهامه في أعلى هرم الدولة. ولعله كان من الأجدى من أجل تحقيق هذه الغاية، التنصيص صراحة على أن يكون الرئيس غير متحزب بالمرة مستقلا تماما عن الأحزاب السياسية. فهذه الاستقلالية ستضمن عدم انخراطه في الصراعات الحزبية على غرار ماهو حاصل مع الرئيس المرزوقي الذي كان جزءا من الترويكا الحاكمة باعتباره رئيسا لحزب المؤتمر، في مواجهة فريق من التونسيين يعارض أداءه وأداء حلفائه وعجز على أن يكون رئيسا لجميع التونسيين مترفعا عن الخلافات السياسية، وهو ما جعله يفشل في لم شمل الفرقاء في ظرف حالك مرت به البلاد وكانت قاب قوسين أو أدنى من الانخراط في حرب أهلية مدمرة، ما أجبر المنظمة الشغيلة على سد هذا الفراغ. ومن المؤكد أن استقلالية الرئيس تلك ستؤثر إيجابا على عمل رئيس الحكومة وتحقق النجاعة المرجوة من أداء السلطة التنفيذية المتكونة من رأسين. فرئيس الحكومة المتحزب بالضرورة، باعتباره «مرشح الحزب أو الائتلاف الانتخابي المتحصل على أكبر عدد من المقاعد بمجلس نواب الشعب» وفقا للفقرة الثانية من الفصل 89 من الدستور، يفترض أن لا تعترض سبيله أية عقبات قد تعيقه أثناء أداء مهامه إذا كان رئيس البلاد بعيدا عن التجاذبات السياسية والحزبية والحسابات الانتخابية. فلو فرضنا جدلا أن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ينتميان إلى جهتين سياسيتين مختلفتين متصارعتين متضادتين، فإن خطر أن يسعى كلاهما أو أحدهما إلى عرقلة عمل الآخر يبقى قائما خاصة في ظل عدم تجذر الثقافة الديمقراطية وتغليب المصلحة الوطنية لدى السواد الأعظم من النخبة السياسية في تونس. بالمقابل فإن انتماء الرئيس ورئيس وزرائه إلى ذات الجهة السياسية أو إلى طرفين سياسيين متحالفين سيفتح الباب على مصراعية للتبرير والتغطية على الأخطاء وإيجاد الذرائع مثلما حصل مع الترويكا حيث دأب رئيس الجمهورية على تبرير أخطاء رئيس الحكومة كلما سئل عنها وبتعلات واهية من قبيل أنه مرهق و يعمل ليل نهار وغيرها. ] بالاتفاق مع إيلاف

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا