النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10846 الأربعاء 19 ديسمبر 2018 الموافق 12 ربيع الآخر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:57AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    2:30PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

طغى التحريض طغى!!

رابط مختصر
العدد 9158 الأربعاء 7 مايو 2014 الموافق 8 رجب 1435

لأن الخلط بين الشأنين الديني والسياسي في هذا الزمن غير المفهوم أبدا، ولأن السعي الحثيث إلى جعل السياسة تظهر بلبوس الدين والدين بلبوس السياسة وكأنهما وجهان لعملة واحدة، قد بات عملا تجاهر به الجمعيات المذهبية مع أذرعتها الحقوقية الطامحة لكسب بسطاء الناس من دون اكتراث لا بسلطة أو قانون وضعيا كان أو سماويا، فإن ثلة من المنضوين تحت ما كان يُعرف بـ»المجلس العلمائي» صاروا لا يوفرون فرصة للتحريض إلا ويستغلونها في مخاطبة العامة، وحتى «الخاصة المثقفة» منهم محفزين إياهم إلى التمرد على النظام وعلى المجتمع المسالم بكل ما يؤذي وما يسهم في إلحاق أفدح الأضرار الاقتصادية والاجتماعية. ومن ضمن هؤلاء المحرضين، بل وعلى رأسهم «آية الله» عيسى قاسم الذي نتناول هنا بعضا مما جاء في خطبته الصاخبة بمفردات التحريض والتطاول وعدم الاكتراث بما ستؤول إليه عواقب الأمور بسبب ذلك، وسوف نركز في الجزء المتعلق بما وصفه في خطبته في يوم الجمعة قبل الماضي الموافق 25 أبريل 2014 بـ»التهجير». على طريقته النمطية في تقديم عظاته ودروسه الدينية في خطب أيام الجمع، وحشر المواضيع السياسية فيها، وإعطائها عناوين أساسية وأخرى فرعية؛ ليتناول أكبر قدر من الأعمال الإرهابية والصبيانية والإجراءات المتخذة ضدها مانحا إياها صك البطولة والوطنية، ملقيا بتبعاتها القانونية على الدولة والحال أنها لا تُواجَه هذه الأعمال إلا حمايةً للسلم الأهلي والأمن الاجتماعي واصفا الإجراءات الحكومية المتخذة ضد المارقين على القانون بالاضطهاد المذهبي، خص «آية الله» عيسى قاسم مسألة ممارسة الحكومة البحرينية سلطاتها الدستورية على أراضيها واتخاذها القرار السيادي الذي لا يخص كائنا من كان غيرها بإبعاد حسين نجاتي من البحرين بعنوان أساسي له كبير الأثر في التحريض على الأمن، ودفع المتطرفين إلى زج الأطفال والشباب بنينا وبنات للعبث بالأمن. وقد استوحيت عنوان المقالة هذا الذي تراه يعتلي المقال من أجواء خطبته هذه، وتحديدا من عنوانه الفرعي «طغى الاضطهاد طغى». تحت العنوان الفرعي عالي النبرة التحريضية «طغى الاضطهاد طغى»، يبدأ «آية الله» كلامه في المصلين على هذا النحو: «بالبيان عن تهجير سماحة «آية الله» الشيخ النجاتي عن البحرين، والصادر من وزارة الداخلية أعلنت الحرب الصريحة من قبل السلطة على مذهب أهل البيت عليهم السلام، وانتقال الاضطهاد وبصورة علنية من كونه لأهل المذهب إلى المذهب نفسه...» إن أول ما يسترعي انتباه المتابع في هذه الفقرة من الخطاب هو استخدام «آية الله» كلمة تهجير بدلا من كلمة إبعاد أو ترحيل فيما يتعلق بالشيخ النجاتي، فهل كان الخطيب في استخدامه لهذه الكلمة يوهم سامعيه بأن الشيخ النجاتي مقتلع من جذوره البحرينية، وهو الإيراني الأصل أما وأبا؟! شخصيا وإن كنت من المؤمنين بأن البحرين الصغيرة في مساحتها كبيرة في احتضانها كل من يعيش فيها فإني بطرحي هذا السؤال الإنكاري أنبه إلى أن الانتماء حق وواجب في آن وتشريف وتكليف في الوقت ذاته وهي عناصر لا أرى الشيخ المُبعد قد احترمها وإلا لما كانت وزارة الداخلية لتتخذ ضده هذا الإجراء الذي ما رامت من خلاله إلا حماية أمننا الوطني والإقليمي. لقد أراد الخطيب بكلمة «تهجير» استدعاء ضمنيا لهجرة المسلمين من مكة، وما لهذا الحدث من مكانة في ذاكرة المسلمين، ليضفي شيئا من القداسة على الشيخ النجاتي، فيجعله في مقام المنتجبين من الصحابة؟! إن في قول «آية الله»! في خطبته بأن «وزارة الداخلية أعلنت الحرب الصريحة» كثيرا من الجرأة على اتهام الدولة ممثلة في هذه الوزارة التي تحمل أمانة الأمن والسلام الاجتماعيين بكل مسؤولية واقتدار، هذا فضلا عن أن هذا القول على ما يختزن في جوفه من معاني التحريض لقادر على إشعال حرب طائفية لا تبقي ولا تذر. لكن دعونا نستبعد جدلا قدرة مثل هذا الكلام على هذا الفعل، ونتناقش معه في صحة هذه الخلاصة غير المنطقية. أيُعقل أن يكون إبعاد شخص ما لا جذور له في المجتمع البحريني، مع حفظ الكرامة الإنسانية لسماحته، هو بمثابة «إعلان حرب على المذهب»، كيف ذلك يا ترى؟ فهل المذهب الشيعي وليد اليوم، وهل أن السلطة دخيلة على المجتمع؟ منذ أكثر من مائتي عام وآل خليفة الكرام يتعاملون مع كافة المكونات بالعدل واحترام الخصوصيات الدينية والاجتماعية للمذاهب والأديان كافة، ولهذا غدت البحرين واحة التسامح التي يشار إليها بالبنان. قصارى القول إن من حق الدولة أن تدافع عن أمن المجتمع وسلمه الأهلي حتى وإن جاء التهديد من «آية الله». لقد تفنن «آية الله» عيسى قاسم في التحريض حتى وقع في المحضور، إذ يُنكر على الدولة حقها في متابعة ما يُنفق من الأموال وما يُدفع تحت أيّ مسمى كان عقديا أو تطوعيا تبرعيا ومراقبته؛ كي لا يتجاوز حدود القانون، ولا يصبح مصدر تمويل لأنشطة مشبوهة بات القاصي والداني يعرف أنها إلى الإرهاب تنتسب. إن كلام عيسى قاسم هذا وإن ألبس لبوسا دينيا وغلف بمسحة من القداسة ماكر لأنه وببساطة يجعل قارئ التاريخ أن يستحضر قصة استقلال الولايات المتحدة الأمريكية وانفصالها عن الإمبراطورية البريطانية انفصالا كانت بوادره بثورة ضريبية لا أرى توجيه «سماحته» وإنكاره على الدولة حقها في أن تكون المشرف الأول على تحصيل الضرائب ومراقبة الزكوات أنى كانت وكيفما كانت وحيثما وُجهت إلا وجها من وجوه خطته في تقويض أركان الدولة ونظامها بدءا من منبر المسجد. الدولة تعاملت مع هكذا حالات مع جماعات سياسية تنتمي لمكونات اجتماعية أخرى بذات القدر من المسؤولية لحماية المجتمع من غلواء التطرف، ومن مخاطر «الزكوات» المدفوعة بزخم مذهبي طائفي ممقوت. ختاما لا يفوتني أن أشير إلى الجزئية التي يحاول فيها «آية الله» قاسم التودد إلى المكون السني من خلال الإشارة إليه من غير مناسبة في ما سماه بـ «الاضطهاد المذهبي» الذي يدين به الحكومة بقوله: «.. ويعلم المسلمون أن الاضطهاد المذهبي من السلطات الأرضية لأي من المذاهب الإسلامية لا يأتي بدافع ديني خالص، بدافع مذهبي خالص، وإنما هو من دافع سياسي وقد يكون للدافع المذهبي تأثير بالغ فيه، وهو حس طائفي مذهبي أسود منغلق لا يتحمل أخوتنا السنة الكرام من الشعب شيئا من مسؤوليته». وعلى الرغم من صحة ما خلص إليه الشيخ إلا أن خلاصته تنم مجددا عن خبث خطابه؛ حيث إنها تدفع في اتجاه غرس فهم لدى العامة المستمعة والقارئة بأن الاضطهاد ممارسة متأصلة لا يأتي بها إلا بيت الحكم، وهو مسعى جديد مفضوح في تأليب الناس عليه منذ اليوم الأول لانفجار الأحداث. فمتى يخمد صوت التحريض؟ ومتى تأخذ المطالبة بالحقوق المنحى السلمي وبواسطة الفعاليات السياسية المرخصة؟ ومتى ننجح في إبعاد المنابر الدينية عن الشأن السياسي؟ نترك الإجابة عن هذه الأسئلة في عهدة الدولة، ونُريد لإجابتها أن تكون متَرجَمَة أمنا وطنيا وسلما أهليا وتطبيقا صارما للقوانين على كل من يسعى إلى تقويض أركان الدولة وثوابت العيش معا وقيمه وقوانينه التي سطرها البحرينيون دستورا وتشريعات وسنوها وعيا جمعيا جعل التسامح عنوان البحرين الأكبر

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا