النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10813 الجمعة 16 نوفمبر 2018 الموافق 8 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:37AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

رُبَّ أخٍ لم تلده أمك

رابط مختصر
العدد 9144 الاربعاء 23 أبريل 2014 الموافق 23 جمادى الآخرة 1435

رحلت، دون أن نودعك يا أبا إبراهيم، بكل هدوء ودعة وسكينة؛ تركت البديع التي ولدت وترعرعت فيها وعشقتها وتفانيت في حبها، رغم أنك لم تكن إلا شعلة وقادة في سمائها، تطل على البحر من بيت والدك، وترنو إلى الأفق البعيد لتقول لنا: «هناك في المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية يعيش الطرف الثاني من عائلتي» فكنت بما تملك من قلب طفل وطموح رجل، وتصميم وإرادة مقاتل تحلم بلم الشمل وصلة القربى والوفاء لقرناء الطفولة والصبا. كنت تبحر في خيالك رغم أنك متشبث بالأرض؛ لم يكن صوتك متوارياً، بل كنت من يفصح عن ذاته بكل قوة وإرادة البقاء، لم تكن يا أحمد بن سعيد بن عبداللطيف الودعاني الدوسري مجاملاً أو مداهناً أو متردداً في قول الحق. كنا نشفق عليك من صراحتك وجرأتك. كنت العاشق لأمتك وعندما كنا نجلس في مقهى دعيج بن عاشور، أو إبراهيم بن أحمد النصار أو سعد بن عجيل أو سعد المداوي كان صوتك مسموعاً ونداؤك واضحاً، وكنت أسمع من رواد هذه المقاهي همسهم: «هذا الولد بيودينا في داهية» في وقت كان الهمس فيه مطلوباً، وعدم الجرأة في القول محموداً، ولكنك الوطني الذي لا يخشى في الحق لومة لائم. لقد فاجئتني يوماً عندما رأيتك في نادي الخريجين، وقد حملت في يديك هدية متواضعة لتقدمها للسيدة هدى جمال عبدالناصر عندما استضافها نادي الخريجين لإلقاء محاضرة بالعدلية، فقلت: «ماذا جاء بك؟» وكنت على قناعة بأنك ستكون أول الواصلين فكان ردك حازماً: «جئت لهدى لأن فيها رائحة الزعيم والمناضل الراحل جمال عبدالناصر». أحمد بن سعيد بن عبداللطيف الودعاني الدوسري علاقتي به ليست فقط كابن الفريج أو القرية وليست علاقتي به كزميل دراسة، أو صديق عابر في الحياة، بل ان صلتي بأحمد تتعدى كل ذلك فهو الأخ الذي لم تلده أمي، وهو رفيق الدرب وشريك الحياة بحلوها ومرها حفرت الطفولة في وجداننا، أصبحنا روحين في جسد واحد، عندما أغيب يروني في أحمد، وعندما يغيب أحمد يرونه فيّ، رحم الله والدك سعيد بن عبداللطيف الدوسري الرجل العصامي المتفاني في جلب لقمة العيش وصاحب الجسم النحيل والإرادة الحديدية اعتبرني ابناً من أبنائه، لم يداري عني شيئاً يسأل عني أحمد عندما أغيب ويحذره من أن يزعلني. أما أم أحمد، حصة بنت خالد بن علي الدوسري رحمها الله وأسكنها فسيح جناته فلم تنادني إلا بابني، وكانت تداري اللقمة وتحتفظ بها لحين زيارتي لها للاطمئنان عليها، كانت تجلسني أنا وأحمد في غرفتها لتحدثنا عن الماضي، وتبثنا شكواها، وتؤكد علينا ضرورة تمسكنا ببعضنا، وكانت وهي الأمية تحثنا على العلم والدراسة والتحصيل، لم تكن أم أحمد تخشى عليه عندما تعلم أنه معي، وعندما سافرت لطلب العلم الجامعي كانت يرحمها الله تبكي لفراقي كأم يحزنها الفراق وتخالطها مشاعر الرأفة والرحمة وحب الخير لأبنائها. أخي وصديقي أحمد تذكر تلك الرحلة التي طفنا فيها البحرين شمالاً وجنوباً مشياً على الأقدام بصحبة الصديقين المرحوم أحمد بن خليفة عيسى حاجي، وحبيب مرهون حبيب والتي اعتبرناها بداية مشوار حياة مليئة بالمصاعب والتحديات. تذكر أخي وصديقي أحمد رحلتنا لطلب الرزق في المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية صيفاً ونحن مازلنا طلبة، ونزلنا ضيفين على بيت أخيك لأمك خالد بن يوسف الدوسري «بالصبيخة» الذي تناولنا العشاء عنده، ونستأذنه بالمبيت في المسجد المجاور لبيته لكي نذهب بعد صلاة الفجر مباشرة إلى الدمام لنأخذ بطاقة العمل من إدارة العمل والعمال ونذهب بها إلى ميناء الملك عبدالعزيز حيث كان الأخ حمود بن سالم الحمود التميمي بانتظارنا لإجراء الامتحان اللازم للعمل في الفرضة الشمالية من ميناء الملك عبدالعزيز ونداوم 24 ساعة ونجتاز الامتحان العملي بكل نجاح. أخي وصديقي أحمد رحلة العمر طويلة، ولكنها في حساب الزمن قصيرة وقصيرة جداً، وبحساب العشرة والمحبة والوفاء والإخلاص هي كبيرة في معناها ومدلولها، وعندما تغيب أجسادنا فإن أرواحنا وذكرى عشرتنا وإخلاصنا تظل هي الباقية، عندما وقفت معزياً أولادك وأهلك وعشيرتك أبوا إلا أن يجعلوني في صفهم لأتقبل التعازي فيك، فأنت الأخ والصديق والحبيب الذي ستظل ذكراه باقية، وضحكاته مجلجلة وصراحته نبراساً، وإيمانه بأمته وقوميته اشعاعاً. رحمك الله يا أبا إبراهيم وأسبغ عليك من شآبيب رحمته ورضوانه وأسكنك فسيح جناته، وألهمنا وذويك جميل الصبر والسلوان وعزاؤنا في عطاء وأخلاص أبنائك لوطنهم ومواطنيهم. إنا لله وإنا إليه راجعون. وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا