النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10812 الخميس 15 نوفمبر 2018 الموافق 7 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:34AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

تحصين منظومة التعليم

رابط مختصر
العدد 9143 الثلاثاء 22 أبريل 2014 الموافق 22 جمادى الآخرة 1435

إنَّ الإنسان ومنذ ولادته إلى اللحظة التي تكتمل فيها شخصيته الإنسانية والوظيفية ويكون كامل الأهلية كمواطن له حقوقه وواجباته يمر بمرحلة الرعاية والتربية المنزلية وبدأً من السادسة الى العشرين او الخامسة والعشرين يمر في مرحلة التعليم المدرسي والأكاديمي العالي، وفي هذه المرحلة تتشكل شخصيته وتتراكم عنده مجموعة المعارف العامة والمفاهيم التي تعنى بشئون الحياة إضافة إلى المعارف التخصصية ذات العلاقة بالحياة العملية والوظيفية، إذاً ففي هذه المرحلة يتشرب الإنسان بالمفاهيم العامة من عقائدية وسياسية، من البيت بشكل جزئي وبشكل أساسي من المنظومة التعليمية، بإمكان المنظومة التعليمية وخاصة في المراحل الابتدائية والإعدادية تشكيل الإتجاه الفكري لدى الطالب، وما أن يتخرج من الثانوية العامة أو الجامعة وإذا به إنسان ذو نزعة سلوكية واتجاه فكري يخوض غمار الحياة العامة بهما، وقَلَّما يحصل أن يكون الطالب المتخرج خارج دائرة التأثير الفكري من روافد المنظومة التعليمية وخاصة بثأثير من قبل هيئة التدريس. هذه الحقيقة ليست غائبة عن أذهان الجهات ذات الأهداف السلطوية المغلفة بتأويلات عقائدية مُطَرَّزَةٍ على قياس الإسلام السياسي وكذلك القوى السياسية الأخرى ذات الطابع المدني، وليس هناك أفضل من هذه الساحة التعليمية لزرع الأفكار في أذهان الأطفال كي تترسخ وتأتي أُكُلَها عند الحاجة، وهكذا فإنَّ هذه الساحة التعليمية تكون لها أولوية خاصة لقوى الإسلام السياسي، وليس بمستغرب أن تكون الكوادر التعليمية في العالم العربي عامة وفي الخليج خاصة من عناصر لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بقوى الاسلام السياسي عامة. وقد ذكر الكاتب الروائي الجزائري ياسمينة خضرا في روايته «خرفان المولى» هذا الجانب من تأثير المدرسة على الأطفال في حوار بين رجال القرية عندما يقترح أحد الآباء وبتذمر شديد هذا الرأي: «أتساءل إن لم يكن من الحذر «الأفضل» أن نسحب أولادنا من المدرسة. إنَّ هؤلاء المعلمين يحشون رؤوسهم ويؤلبونهم ضدنا». ويستطرد الكاتب كيف أنّْ الجيل الذي تخطى المراحل المدرسية قد تَشَرَّبَ بمفاهيم تعكس سلوكاً عنيفاً دون أدنى مراعاة للقيم الاجتماعية السائدة من احترام للكبير ورحمة للصغير، والافتقار إلى مَلَكَةِ الإصغاء والحوار واحترام الرأي الآخر، هذا الذي يرويه الكاتب الجزائري في رواية مستقاة من أرض الواقع ليس بغريب على مجتمعاتنا الخليجية، حيث أن هذا المنحى السلوكي الحاد والقاسي والرافض للآخر أضحى نمطاً سائداً وجذاباً وخاصة لأؤلئك الذين يريدون إثبات وجودهم الذي يفتقر إلى الذكاء والمهارات المفيدة، وهؤلاء هم الأدوات التي يُزَجُّ بها في العراك ضد المجتمع من أجل تنفيذ مآرب المتمصلحين في أعلى هرم مؤسسات الاسلام السياسي. عندما أعود بالذاكرة إلى سنين الخمسينيات والستينيات بين الابتدائية والثانوية، أتذكر بعضاً من المدرسين كيف كان يستغل جزءا من وقت الدرس لبث بعض المفاهيم والآراء السياسية، وحينه كان عصراً آخر إذ أن السياسة هي السائدة ولم يكن في حينه للإسلام السياسي حضور يُذْكَرْ. و مع تحول الأجواء السياسية من فكر وجهد نضالي ضد الإستعمار إلى مرحلة الاستقلال الوطني، وبدءا من الثمانينيات، أخذ الاسلام السياسي في الانتشار وبتأويل عقائدي غير معهود وغير متلازم مع وحدة الوطن بمكوناته المختلفة، وهذا الاسلام السياسي يعمل بِنَفَسٍ أحادي رافض لكل من هو خارج تأويله لمفاهيم العقيدة والحياة، وقد امتد هذا النفس إلى ساحات التعليم واستطاع أن يزرع في المجتمع جيلاً من المتزمتين والمتشددين إلى درجة أن يُكَفِّرَ الإبنُ أباه، ما كان باستطاعة مؤسسات الاسلام السياسي أن تشكل جيلاً بهذا الحجم من التابعين المتشددين والموالين ولاءً أعمى لتوجيهات قياداتها اعتماداً على نشاطها الإعلامي الحزبي وبأدواتها الخاصة داخل الحزب ومنها مراكزها الإجتماعية والرياضية إضافة إلى استغلالها لدور العبادة، لولا بسط نفوذها على الساحة التعليمية واختراق المنظومة التعليمية، لم يكن بالمستطاع اختراق المنظومة التعليمية لولا وجود ثغرات واسعة في بنية المنظومة التعليمية، وأهم ثغرة في هذه البنية هي الافتقار إلى سياسة تعليمية مبنية على إستراتيجية ذات أسس وطنية جامعة تكون من أدواتها المهمة والدورية إجراءات الرصد والمراجعة النقدية والتصحيح لكامل المكونات والإجراءات التنفيذية في المنظومة التعليمية، وهذه الثغرات هي التي مكنت الاسلام السياسي من اختراق المنظومة التعليمية وتحويلها الى ساحة مباحة لها لنشر المفاهيم التي تحرض على العنف والإقصاء والتكفير، وبالنتيجة شق النسيج الوطني الواحد إلى مجموعات متناحرة، وقد امتد هذا النهج السلوكي الى داخل البيت الواحد، ومن الحقائق المخيفة أنه لم يحصل في التاريخ البشري ولا في التاريخ الاسلامي أن كَفَّرَ الابنُ أباه والأخُ أخاه والجارُ جارَه، فبذور الفتن هذه لم تحصل إلاّ في زماننا وفي ثنايا عقيدتنا وبفعل أبنائنا وبمساهمة منا دون وعي منا. إنَّ اختراق المنظومة التعليمية ليس محصوراً على الدول العربية والاسلامية، ولكن هذا الاختراق قد تخطى الحدود إلى قلب أوروبا، فها هي جريدة «ذي تايمز» البريطانية ونقلاً عن جريدة الايام الصادرة بتاريخ ٦ أبريل ٢٠١٤ تفيد بما يلي: «إنَّ مكتب معايير التعليم وخدمات الأطفال والمهارات البريطاني قام بزيارة عاجلة لأربع مدارس في شمال شرق مدينة برمنجهام الشهر الماضي «مارس» وسط مخاوف متصاعدة عن مزاعم «من أولياء الأمور» بوجود محاولات لاختراقها من جانب مسلمين متشددين». إذا كان الاختراق قد تعدى الحدود العربية إلى أقاصي الجغرافيا الواسعة، فإنه حتماً يعشش في ثنايا مدارسنا ويستعيش على مواردنا ويعبث بأبنائنا، ومثل هذا الاختراق هو نفوذ من خلال ثغرات كامنة في المنظومة التعليمية، ومثلما ذكرنا أعلاه فان هناك ثغرة الافتقار الى سياسة تعليمية مبنية على استراتيجية وحدة الوطن ومنعته ضد التفكك والتشرذم، ويستتبع ذلك المنهج التعليمي الذي تكمن في مفاصله مواد ومواضيع مساعدة تُعِين المعلم المُخْتَرِقْ من الاستعانة بها في ترويج المفاهيم المتشددة، والمواد التي يمكنها أن تساعد في هذا المنحى المتشدد هي مواد نصوص اللغة العربية والتاريخ والدين، ويستطيع المعلم المتمرس في نشر التشدد أن يلوي محتوى هذه المواد كيفما شاء، إضافة إلى أن مادة الدين تصطبغ بتأويل مذهبي أحادي الجانب مما يساهم في نشر بذور التفرقة، هذه مواد أساسية في المنهج ولها أهمية في بلورة المفاهيم الفكرية لدى الطالب ولكنها قد تكون موضع رفض واستنكار إذا كانت لا تنسجم مع الثقافات المذهبية والعقائدية الاخرى والتي يأتي بها الطالب من إرث أسرته. يستدعي الأمر الانتباه إلى هذا المنحى في مناهج التعليم بغية تصحيح مساره، وانَّ إدراج مادة «الثقافة الوطنية» بمفردها غير كافية لتعزيز روح الوحدة الوطنية لدى الطالب. الخلاصة هي أن منظومة التعليم مخترقة، وهذا أمر لا جدال في حقيقته ولكن الجدال يجب أن يكون في كيفية تحصين ساحة المنظومة التعليمية من أجل أن تساهم مخرجات المنظومة التعليمية في ترسيخ وحدة الوطن وسلامته حتى يمكن لهذا الوطن الغالي أن ينعم بالاستقرار والازدهار.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا