النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10814 السبت 17 نوفمبر 2018 الموافق 9 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27AM
  • المغرب
    4:48AM
  • العشاء
    6:18AM

كتاب الايام

التركيبة السكانية والجودة النوعية للحياة

رابط مختصر
العدد 9133 السبت 12 أبريل 2014 الموافق 12 جمادى الآخرة 1435

يتزايد احساس الخليجيين بأنهم أصبحوا «أقلية» تتضاءل يوماً بعد يوم، في وسط طوفان بشري متدفق من دول الفائض السكاني ودول المجاعة ودول الربيع العربي المنكوبة أمنياً وسياسياً، أصبحت نسبة الخليجيين إلى غيرهم تتراوح في حدها الأدنى بين 10% لتصل إلى 50% في حدها الأعلى في الدول الخليجية، وهي مرشحة لانخفاض أكبر في ضوء توقعات باستيعاب أعداد أكبر من الايدي العاملة خلال العقدين القادمين، هؤلاء الوافدون، منهم اخوة أعزاء عرب وغيرهم، أتوا يبتغون فضلاً من ربهم، وأمناً وأماناً ومعيشة كريمة لأنفسهم ولأسرهم، ولكن النسبة العظمى من الموافدين، من العمالة الاسيوية، استقدمت من أجل متطلبات التطور العمراني ومشاريع البنية التحتية، هم خليط شتات من عادات وثقافات وديانات لأكثر من 200 جنسية، تتعايش آمنة مطمئنة في الخليج، وتنتمي إلى 150 قومية وتتحدث 100 لهجة، وإذ نحمد الله تعالى على نعمه العديدة ومن أهمها نعمتا النفط والغاز ومن بعدهما نعم الأمن والاستقرار والازدهار، فإن شكر النعم يستوجب البذل والمساعدة والعطاء وفتح الأبواب وتقديم يد العون من غير من أو تظاهر باحسان، لكن هذا التدفق البشري الذي هو أشبه بـ»تسونامي» جنوب شرق آسيوي، وإن كان له ايجابياته المشهودة التي يجب الاقرار بها، إلا أن له أيضاً آثاره وتداعياته السلبية الخطيرة على مختلف الأوضاع الخليجية: أمنياً وثقافياً واقتصادياً واجتماعياً، لطالما انشغل آباء ورواد التنمية الخليجية من المفكرين والكتاب، وعلى امتداد 3 عقود بالتنبيه والتحذير من انعكاسات الخلل السكاني ونتائجه الخطرة على مجمل الأوضاع، ولطالما وجهوا أنظار المسؤولين إلى خطورة سياسة التوسع في استقدام العمالة الأجنبية، لكن المسؤولين كانوا دائماً يتذرعون بحجج متطلبات التنمية العمرانية واحتياج المشاريع الانشائية العملاقة، لقد كانت قضية «الخلل السكاني» هماً رئيسياً في أدبيات التنمية الخليجية باستمرار لكن الخلل ازداد وتفاقم وأصبح يشكل تحدياً كبيراً يتطلب علاجاً حكيماً من قبل الحكومات الخليجية، صحيح أن الحكومات على وعي تام بمخاطر الاختلال السكاني، ولا شك أن هناك جهوداً تبذل واجراءات تتخذ من أجل الحد من آثاره وتداعياته السلبية، إلا أنها غير كافية وغير جذرية، لقد كان جل مخاوف الخليجيين، حكومات وشعوباً ونخباً، من تداعيات الاختلال السكاني، مركزة على 4 أبعاد هي: 1. البعد الأمني: باعتبار الخلل السكاني من مهددات الأمن الخليجي، أذكر قبل 6 سنوات أن المنطقة شهدت أضخم وأخطر مظاهرات للعمالة الوافدة تخللها أعمال تخريبية في بعض دول المنطقة. 2. البعد الثقافي: وهو الذي حظي بالاهتمام الأكبر، بسبب تأثيراته على «الهوية» و»الوحدة الوطنية» و»اللغة العربية» وأذكر قبل عدة سنوات، أنه ساد ما يشبه (الفزعة) الوطنية على الهوية، دولة الامارات شكلت في حينها «لجنة التركيبة السكانية» التي قدمت 66 مبادرة لتهدئة مخاوف الإماراتيين على الهوية، وكتب محمد الحمادي في الإمارات يشكو من اختفاء اللغة العربية بشكل ملفت في الشارع والأماكن العامة والشركات والمؤسسات الحكومية وحتى في بيوت المواطنين والعرب المقيمين، وتوقع الكاتب عبدالله رشيد، في ضل استمرار سيل التدفق البشري للإمارات، أن يصبح المواطنون 2% في عام 2025 وصرح الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بأن «مسألة التركيبة السكانية تتصدر أولويات حكومته، وأن مستقبلنا وهويتنا الوطنية مرتبطان ارتباطاً جذرياً ومصيرنا بهذه القضية». 3. البعد الحقوقي الدولي: الأوضاع المعيشية السيئة للعمالة الوافدة والهامشية، جعلت الدول الخليجية، عرضة للمساءلة الدولية من المنظمات الحقوقية ومنظمات العمل الدولية، أصبحت أنظار العالم مركزة على الخليج، الإعلام الغربية لا هم له إلا رصد وتضخيم ما يحصل للعمال من انتهاكات من قبل تجار الإقامات والتأشيرات، وانتقاد ظروف العمل ومساكن العمال التي تراها غير لائقة، تطالب بنقابات للعمال ومنحهم حق التظاهر وتجنيس بعضهم على غرار ما هو حاصل عندهم. 4. البعد الاقتصادي الوطني: يرى عمر الشهابي أن (التركيبة السكانية) تم توظيفها لخدمة متطلبات رؤوس الأموال المستثمرة، وأنتج ذلك أمرين: فك الاعتمادية التاريخية للدولة على الشعب، وتهميش الكادر الوطني. هذه الأبعاد الأربعة، هي التي استأثرت باهتمام أدبيات التنمية الخليجية على امتداد العقود السابقة، لكن هناك بعداً آخر لا يقل أهمية، لم يأخذ حظه من الاهتمام الإعلامي إلا مؤخراً، هو البعد المتعلق بـ»الجودة النوعية للحياة» أو ما يسمى بـ»تحسين نوعية الحياة» العمالة الوافدة والهامشية بكثافتها العددية، تزاحم المواطنين والمقيمين في المدن الخليجية، وتشكل عبئاً ثقيلاً بل ومدمراً على كافة المرافق والخدمات الحيوية، تستهلك الموارد، وتشوه المنظر الحضاري للمدن الخليجية، وتجسد البؤس الإنساني، وتتسبب في تردي جودة الحياة لدى الخليجيين، مدننا اليوم، تشكو من اكتظاظ رهيب، خليط بشري متنافر يزاحم بعضه بعضاً في رقعة من الأرض ضيقة، اختناق مروري يصاحبه ارتفاع في نسب التلوث والضوضاء واهدار الوقت والطاقة والجهد، ضغوط هائلة على الخدمات المختلفة وبخاصة الخدمات الصحية، تجعل المواطنين ينتظرون طويلاً للحصول على سرير في مستشفى، اضافة إلى مزاحمة العمالة الوافدة للعائلات في الفرجان، كلها عوامل ضاغطة على الأعصاب والأنفس، ولدت سلوكيات غير مستحبة وردات فعل غير حميدة، وأشعرت المواطن بالاغتراب، وكانت نتائجها، التضحية بجودة الحياة الخليجية وتشتيت الجهود المبذولة من أجل تحسين نوعية الحياة، الكاتب جمال خاشقجي، أكثر من كتب حول علاقة التزايد السكاني بتردي جودة الحياة، كتب يقول «من يقنع المسؤولين بأن النهضة، هي في تحقيق –نوعية حياة أفضل– وهذا لا يكون بمدن أكثر اتساعاً، وأعلى بنياناً، وإنما بمدن أنيقة مكتفية بسكانها الأصليين ومواردها الطبيعية، سعيدة بحياتها، وأقل ازدحاماً في طرقاتها». ترى: ما الحل؟ بطبيعة الحال لا أملك حلولاً جذرية لهذه القضية المزمنة، ولست ضد استقدام العمالة الوافدة بقدر احتياجات ومتطلبات التنمية، لكني أرى ضرورة المعاملة الإنسانية لهؤلاء وتحسين ظروف عملهم واسكانهم في مساكن لائقة، ولذلك أرى ضرورة بناء مدن عمالية ذات جودة عالية، واسكانهم هناك بعيداً عن المدن.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا