النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10755 الأربعاء 19 سبتمبر 2018 الموافق 9 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    3:00AM
  • المغرب
    5:40AM
  • العشاء
    7:10AM

كتاب الايام

«ما هذه إلّا إسقاطات طائفية»

رابط مختصر
العدد 9115 الثلاثاء 25 مارس 2014 الموافق 24 جمادى الأولى 1435

العنوان أعلاه جزء جوهري من موقف عَبَّرَ عنه وزير الخارجية الشيخ خالد بن أحمد آلِ خليفة عندما تصدى لأولئك الذين يغردون على وسائل التواصل الاجتماعي ويمجدون فيها رموزاً بنسق عبادة الأصنام وبأنفاس طائفية حادة ومستفزة، وكان ذلك على خلفية المهرجان الطلابي الذي أقيم في جامعة البحرين في الثالث عشر من هذا الشهر. عندما يتصدى مسؤول كبير وذات صلة قريبة ومباشرة بأعلى سلطة في الدولة ويصف تلك المواقف والتغريدات بأنها «إسقاطات طائفية» فإن الحديث لا يأتي استدراكاً لحدث عارض، ولم تأتِ كلمة «إسقاطا» بمدلولها السيكولوجي إنما بمدلول السقطة والزلل والإنزلاق إلى هاوية (الطائفية) ، والتي ما أن تستعرَ نارها فليس هناك ما يكفي من الماء (البارد) لإخماد نارها التي تلتهم الأخضر واليابس. «ما هذه إلّا إسقاطات طائفية» جملة موجزة ترتقي إلى مراتب صرخة حكمة الحكيم وهي تحمل كثيراً من المعاني وتعبر عن آلام كامنة في النفس بفعل الأزمة التي تعصف بالوطن منذ فترة وهي تشرف على عامها الرابع دون بصيص ضوء على مرمى البصر في نفق الأزمة؛ ونسترشد من هذه الصرخة النابعة من روح المسؤولية بأن كل جهد في وجه الأزمة من الواجب أن يهدف إلى خلخلة الأزمة وإطفاء نارها الطائفية وحل مفاصلها الاجتماعية. مع تفجر شرارة الأزمة وانطلاقها على عجلات الطائفية تفجر في المقابل المضاد فقاعات طائفية متباينة الألوان والأهداف وأخذت تُلَوِّنُ الفضاء الوطني باللون الطائفي الصرف، وأخذت هذه الفقاعات تتراقص حول نفسها وأنفاس حالها توحي بأنها تتهافت شوقاً إلى كارثة (معركة فاصلة) دون أن تعي ما هي الكارثة؛ وبموازاة هذه الفقاعات الطائفية المتوارية الأهداف، هناك محاولات (متواضعة) تتسم بالجدية والمسؤولية من رموز وطنية مخلصة لم تمسها لوثة الانتهازية ويعلو انتمائها الوطني على أية هوية جانبية، وهذه الرموز وطنية صرفة لا تجرفها المذهبية ولا الطائفية عن مسارها الوطني، وهي تسعى من أجل إيصال الوطن إلى بَرِّ الأمان من خلال التعاطي مع مقتضيات الأزمة بحكمة وروية، مدركين إدراك اليقين بأن النار الطائفية لا يمكن أن تُواجَهَ بنار طائفية مضادة ولا بصب الزيت على نار الطائفية، لأنَّ الطائفية تتغذى على نفسها، من ذاتها ومن غريمها، ومحصلة التَغَذِّي الطائفي المتبادل هي تضخم وازدياد رُقَعِ النار الملتهبة إلى كارثة تحرق أصحابها وكل من عليها (أرض الوطن). إِنْ تُرِكَتْ على حالها، في نشوى السكر الطائفي، فهذه هي متوقعات فعل الفقاعات الطائفية، هذه الطائفية التي تتمازج فيها أهداف انتهازية تستقوي بقاعدة مُتَمَذْهِبِةٍ اختلت عندها معادلة العلاقة بين الوطن الكبير الجامع وبين الهويات الجزئية المُتَجَزِّئَة من شذرات العرق والقبيلة والدين والمذهب، ومن المفارقات المفجعة أنَّ كل هذه الشذرات قد تراكمت وتراصت في هيكل طائفي اختزلت الوطني في بنية طائفية متناقضة ومتنافرة ومتضاربة الأهداف، وهي (اي حشد الفقاعات الطائفية) بهذا التراكم والتراص تظن أنها قادرة على جَرِّ أجهزة الدولة إلى صفوفها لخوض المعركة الفاصلة (وَهْمُ معركة آرمغادون الفاصلة حسب النصوص المسيحية)، هذه الفقاعات الطائفية هي التي انطلقت وتكونت من بدايات «الإسقاطات الطائفية» وأخذت الإسقاطات تتوالى وتتراكم إلى ما نحن فيه من حفلات الرقص الطائفي والآخذ في الانتشار كالنار في الهشيم. إنَّ فقاعات الطائفية المضادة بكل انتهازيتها والاستقواء باندفاعة قاعدتها اللاواعية والمُغَيَّبَةِ عن الوعي الوطني قد جعلت من الأزمة أزمة مزدوجة، وهكذا تكون هذه الطائفية المضادة قد ساهمت بقصد في عرقلة أي حل للأزمة، لأنها رفعت عقيرتها في مسارات الأزمة من أجل تحقيق أهدافها الأنانية والانتهازية دون أي اعتبار للوطن ووحدته وسلامته واستقراره. هذا التصاعد الطائفي المتراكم يضع الدولة والرموز الوطنية المخلصة أمام تَحَدٍ كبير من موقع أنَّ هذه الأزمة المزدوجة لها مفصلان متعاضدان، فالمفصل الأول والأهم هوعرقلة أي حل، إِنْ كان عبر الحوار أو من خلال إجراءات ناعمة، والمفصل الآخر هوتصعيد سخونة الجو الطائفي إلى درجات نار طائفية أصحابها أدرى بمصالحهم الذاتية فيها. لا شك أنَّ الدولة والرموز الوطنية المخلصة وكذلك المواطن بإنسانيته المجردة، هذه الإنسانية التي هي بطبيعتها خَيِّرَة، يسعون ويأملون جميعاً إلى خلخلة الأزمة من مفاصلها الطائفية وحصرها في محتواها الاجتماعي والتي يمكن حصرها كَماًّ ونوعاً وعندها يسهل إيجاد سبل التعاطي معها لتحقيق أكبر قدر ممكن من تخفيف حدة الأزمة إلى مستويات حلها حفاظاً على وحدة الوطن وسلامته واستقراره. وفي مقابل هذا السعي الوطني الجاد والمسؤول، فإن المواطن في جوهره الكامن في وعيه الباطن لا يريد وليس من مصلحته أن تستعر نار الطائفية، وحتى أولئك الذين يلهثون على خطى الطائفية، نأمل أن تأتي لحظة التراكم الكمي للوعي بمخاطر الطائفية قبل استفحالها، والتي يتحول عندها هذا الإنسان من حال الدعم للطائفية إلى حال الإنكفاء عنها والتوجه إلى دعم مقتضيات الحل من أجل سلامة الوطن، لأنَّ سلامة المواطن من سلامة الوطن.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا