النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10818 الأربعاء 21 نوفمبر 2018 الموافق 13 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

الطائفية والوعي الوطني

رابط مختصر
العدد 9108 الثلاثاء 18 مارس 2014 الموافق 17 جمادى الأولى 1435

هناك معادلة رياضية ثابتة لها مصداقيتها العلمية في تحديد طبيعة العلاقة التي تربط بين عنصرين أو قوتين أو مفهومين، وطبيعة العلاقة التي تحددها هذه المعادلة هي علاقة عكسية، بمعنى أنه كلما ازدادت قيمة عنصر في المعادلة نقصت قيمة العنصر الآخر في المعادلة الرياضية؛ والعنصران في هذه المعادلة لا تحيدان أبداً وبشكل مطلق عن طبيعة العلاقة العكسية بينهما؛ وهذه المعادلة الرياضية وبكل تجلياتها العلمية تحدد طبيعة العلاقة العكسية بين الطائفية والمواطنة، فكلما زادت المساحة البشرية للمواطنة كلما نقصت المساحة البشرية للطائفية، والعكس صحيح. وهكذا تكون العلاقة كذلك بين الوعي الوطني والافتقار إلى هذا الوعي الوطني، وهذا الفرد الذي يفتقر إلى الوعي الوطني فإنه إنسان مسلوب الإرادة وقد سلم أمر إدارته إلى قيادة الطائفة، فهو لا يرى في نفسه مواطناً يعيش في جغرافيا الوطن الذي يضم أطيافاً من الأعراق والأديان والمذاهب، بل يرى نفسه وهويته وقيمته الانسانية في جزء من الوطن وهو الإطار الضيق الذي حددته القيادة الطائفية، ولا يرى نفسه جزءًا منتمياً وملتزماً بالمصير المشترك مع مجمل الأطياف في الوطن في حياة اقتصادية وسياسية وعلاقات اجتماعية مشتركة ومتبادلة؛ فيرى في جزئيتها كلاً مطلقاً بينما بقية الأطياف أجزاء خارج حدوده ويضع بينه وبين الأطياف الأخرى حواجز فكرية ونفسية وبالنتيجة يعيش في حالة توجس دائم ممن هم خارج حدود طائفته. هذه الحالة الإنغلاقية لم تأتِ جزافاً ولا صدفة ولا خياراً واعياً - من جند التابعين الخانعين- ولكنها حالة تشكلت بفعل علاقات مصلحية في الحياة الاجتماعية وقد تعرضنا لهذه العلاقة في مقالة سابقة تحت عنوان “الاقطاعية الدينية”، وهذه المصلحة الاجتماعية كانت الدافع لبناء الصرح الطائفي، وهذا يدفعنا إلى طرح سؤال حيوي وملح، وهو، كيف استطاعت القوى المتنفذة طبقياً على مفاصل الحياة الاجتماعية للقاعدة البشرية في الطائفة من أن تؤثر على هذه القاعدة في سلب إرادتها وتوجيه وعيها خارج فضاء المواطنة وحبسها في حدود الطائفة وكأنها الكل المطلق والحقيقة كلها؟ وقبل الخوض في هذه المسألة الشائكة والتي نحاول جهدنا الوصول إلى أَمَضِّ مفاصلها، لنستعرض نموذجين من الوعي المُوَجِّهْ في البناء الطائفي واللاوعي المُوَجَّهْ في قاعدة البناء الطائفي؛ نموذج الوعي المُوَجِّهْ المتمثل في أصحاب المصالح وهم قادة الطائفة، نقتبسه من الواقع اللبناني والذي هو واقع سياسي طائفي بامتياز؛ بعد أن عصفت بلبنان كوارث سياسية واجتماعية نتيجة للنهج السياسي الطائفي، طرح الوطنيون العلمانيون من مختلف الطوائف أفكاراً لتجاوز دولة المحاصصة الطائفية إلى الدولة الوطنية الموحدة والضامنة لمصالح وحقوق الجميع تحت سقف وطن جامع شامل. وحيث انَّ هذا التوجه الوطني المُوَحِّدْ لا يلبي المصالح الطبقية لسدنة الطائفية، تصدت له القيادات الطائفية وقد جاء على لسان أحد الرموز الطائفية المتنفذة تصريح مباشر وصريح يؤكد على ضرورة المحافظة على النهج الطائفي بالقول: “تبين لي أنَّ إلغاء الطائفية السياسية في لبنان يحمل مغامرة كبرى قد تهدد مصير لبنان أو على الأقل ستهدد استقرار لبنان، تخلق ظروفاً للاستقواء بالخارج من هنا وهناك، وتدخل القوى الأجنبية من هنا وهناك... أدعو إلى سحب هذا الموضوع من التداول... فالمطلوب هو إصلاح نظام الطائفية السياسية و ليس إلغاء نظام الطائفية السياسية”. هذا بيان طائفي صريح وواضح، والبيان يحمل معاني كثيرة ومن أبرزها ارتباط الكيانات الطائفية بالقوى الخارجية، الإقليمية منها والدولية، وكيف أن المراكز الطائفية في صراعها الطائفي السياسي الداخلي لا تجد سبيلاً إلّا الاستقواء بالخارج من أجل قلب موازين القوى في صالحها، وليس هناك مكان للوطن الجامع في مفهوم الطائفية السياسية، إضافة إلى أنَّ هذا البيان يكشف وعياً عميقاً ومُتَّقِداً لدى قيادة الطائفية عن معنى تجاوز وإلغاء الطائفية السياسية، وتعي أنَّ الدولة الوطنية سوف تلغي مصالحها، وهكذا فهي تسعى بكل السبل الممكنة من أجل المحافظة على هذه الطائفية السياسية التي تلغي الدولة الوطنية، وجل ما تنادي به في مواجهة مشروع إلغاء الطائفية السياسية هو إصلاح نظام الطائفية السياسية كمن يدعو إلى إصلاح بيت العنكبوت. أمّا نموذج اللاوعي المُوَجَّهْ والذي يمثل القاعدة العريضة من جند الطاعة المطلقة، هذه القاعدة البشرية المُسْتَغَلَّة التي لا تعي وجودها لذاتها بل تعيش وجودها لمصالح قيادتها التي تستغلها اجتماعياً بذرائع دينية ومذهبية؛ هذا النموذج عَبَّرَ عنه مواطن عادي بسيط طيب في لقاء إذاعي مع الإذاعة البريطانية في برنامج لها حول موضوع “العراق بعد صدام”، فكان رأي هذا المواطن الطيب: “عراق ما بعد صدام أفضل بكثير من عهد صدام، لأننا اليوم نستطيع أن نمارس طقوسنا المذهبية بكل حرية”... هذا المواطن الطيب لم يذكر أي شيء عن التغيير في الحياة الاجتماعية ولا الاقتصادية ولا عن الحريات العامة ولا عن العلاقة العقدية التي يجب أن تربط بين القيادة السياسية والقاعدة الوطنية، بل انحصر هَمُّهُ وكل ما تبقى من وعيه المسلوب في حرية الطقوس الدينية. لقد استطاعت القيادة الطائفية التي تعي وجودها لذاتها وتعي بالنتيجة مصالحها الطبقية بنزعة من الأنا المتعالية أنْ تُجَيِّرَ الدين والمذهب لصالحها كي تتمكن من استغلال وسلب إرادة الوعي لدى الغالبية العاملة في الطائفة؛ ولكن كيف حصل هذا السلب المتقن للوعي عند جند الطاعة في الطائفة؟ هذا السلب يبدأ من المراحل الأولى من حياة الطفل، التربية المنزلية والتي هي في بيئتنا بعيدة عن النهج التربوي السليم، والتعليم في المراحل المدرسية الأولى، وهذه مرحلة حساسة وحرجة تتشكل فيها الملكة الفكرية عند الانسان، وخلال هذه المرحلة يمكن تعطيل الملكة الفكرية عند الطفل وتحويله الى خزينة للتلقي دون تفكير، ومع تحويل الملكة الفكرية إلى خزينة نقل الوصايا والنصوص المحدودة والمحددة تتحول ملكة التفكير إلى فكر يدور حول نفسه وكأنه ثور الساقية يدور على مدار الساعة ويخدم غيره دون وعي، لأن الملكة الفكرية المختطفة قد فقدت الوعي بالذات، فالذات أصبحت مشروطة في خدمة أولياء النقل والوصاية، والفكر يفقد قدرته العملية في النقد والاختيار الحر، فيصبح مكبلاً ومتلقياً من جهة واحدة ترقى عنده إلى درجة القدسية المعصومة من أي زلل. نرى أنَّ هذا هو العنصر الأساس والجذري في بناء جند الطاعة الطائفية، طبعاً مع وجود عناصر مكملة ومساعدة مثل وجود مراكز التلقين والحصر المناطقي والضغط الجماعي، وأنَّ من العناصر المساعدة بشكل كبير هو معاملة الدولة لتلك الطائفة بنهج طائفي، كان ذلك بقصد أو دون قصد. وما كان بالإمكان تَشَكُّلَ جند الطاعة الطائفية وفقدان الوعي الوطني من دون عملية تربوية وتعليمية قادرة على تعطيل الملكة النقدية في الفكر. وعندما يدور الفكر في ساقية الفئة أو الطائفة فإنه يكون قد عزل نفسه عن المكون الوطني العام الذي يشمل جميع المكونات البشرية في جغرافية الوطن. وهذا يمثل تحدياً مصيرياً أمام استقرار وازدهار الدولة والتي عمادها الوعي الوطني في ظل عقد اجتماعي مشترك.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا