النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10817 الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 الموافق 12 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

ونعومك يا زعتر

رابط مختصر
العدد 9088 الأربعاء 26 فبراير 2014 الموافق 26 ربيع الثاني 1435

الزعتر، البري الجاف، أو الزعتر الطري فيه فوائد جمة، وكان الأقدمون في بلادنا ممن اعتمدوا على الطب الشعبي كثيراً يؤمنون بفوائد الزعتر والشفاء من بعض العلل إذا هم «إلتهموه» أو «أنقعوه» في الماء، أو اعتبروه «شاياً» بعد غليه، ولذلك فليس من المستغرب عندما يذكر موقف من المواقف أو تطرح بدائل من البدائل في شأن خاص شخصي أو شأن عام جماعي أو تطرح الخيارات أمام الناس؛ فإن احسنوا خياراً دون سواه فهم يقولون، لأول وهلة تعبيراً عن إعجابهم وموافقتهم وتوافقهم: «ونعومك يا زعتر» أي أن الزعتر لا يختلف عليه إثنان لفوائده، وكذلك هو الخيار الأنسب والبديل الناجح الذي لا يمكن للناس المختلفين أو الذين تتباين وجهة نظرهم إلا أن يتفقوا بشأنه على ما يطيب خاطرهم ويشفي غليلهم. وما أحوجنا اليوم للتأمل في الأشياء الصغيرة والبسيطة والتي لا شك أن مردودها وتأثيرها كبير، فما نراه صغيراً ومتواضعاً قد يكون ذا تأثير بالغ ونفع جم، ونحن مأمورون بالتفكر والتدبر في الأشياء والمخلوقات العظيمة كالإنسان والسماء والأرض وما فيهما، وكذلك أعمال الفكر والعقل في المخلوقات الصغيرة، قال تعالى: «إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً وما يضل به إلا الفاسقين» سورة البقرة الآية 26. مجتمعنا ككل المجتمعات يمر بظروف وأوضاع فيها الشدة والرخاء، وفيها العسر واليسر، ونحن لا نملك إلا أن نتعايش مع الظروف، ليس من قبيل المهادنة والخنوع وإنما النظر للأمور بواقعية ومصداقية وشفافية، فما ينفعنا نتمسك به، وما يضرنا نصرفه عن طريقنا ونتجاوزه، وما يمكن تغييره نواجهه بكل قوة وفهم وإدراك وعلم وفن وتضحية. عندما اشتاق للزمن القديم أجد في سوق المنامة ما يلبي حاجة في نفسي وأجد أنه في كل لحظة شعورية أو أي إحساس يخامرك في لحظة من اللحظات أو أي موقف يثير فيك حنيناً أو شعوراً بالغضب أو توجعاً من وضع أو خشية من مستقبل، فستجد أن في أزقة وأروقة سوق المنامة ما يطمئن بأن البلد ولله الحمد بخير، شريطة أن تكون متفائلاً رغم حلكة الأيام أحياناً؛ فأنت اليوم قد لا تجد من كنت تعرفهم، وقد لا تجد الأسماء التي اعتدت على رؤيتها ولكنك في شعورك الإنساني تستحضرهم وتقول في نفسك مخاطباً ضميرك: هم كانوا هنا، أنفاسهم موجودة وجوههم محفوظة، وإذا قادتك قدماك إلى إحدى المقاهي ستجد تاريخاً ماثلاً بين عينيك يذكرك بقهوة «أبو ضاحي» أو «معرفي» وفي مدخل السوق مؤسسة يوسف بن أحمد كانو ومؤسسة عبدالرحمن الزياني وأولاده إلى الشرق ومجموعة محمد جلال وأولاده ومحلات عائلة خنجي إلى الغرب وداخل السوق المسقف المكتبة الكمالية لصاحبها سلمان كمال وأخوند عوضي ومتجر يعقوبي، وحاجي عبدالرحيم، والمتجر الشرقي، وجاشنمال وعبدالله بن يوسف فخرو، وعلى بن يوسف فخرو، وصادق وتقي البحارنة، وخشابي، ومحمد حسن المحروس، ومتجر صفي، وعبدالحميد الشتر، وعمر الكلالي، وعبدالعزيز البسام ويوسف خليل المؤيد وأولاده، ومتجر محمد شريف محمد وأولاده، ويوسف الحواج، والصالون الأخضر، ومتجر القاهرة لحسن خنجي. وكيلورام ومتجر الشيخ عبدالرحمن بن محمد بن عبدالله آل خليفة، ومتجر الشيخ وعيسى الشتر، ويوسف خضوري وعبدالله بشمي وروبين ومحلات يوسف الساعي، وعبدالرسول الزيرة وعلي بوكنان ومحلات الصرافة وصياغة الذهب والساعات والمأكولات الهندية والملابس الرجالية والحلاقون، وترى أمام ناظريك أناساً تعرفهم وتسلم عليهم وتصافحهم أو تؤشر عليهم وكأنهم جاءوا لموعد ولكنك ستجدهم جاءوا ليقولوا نحن هنا لنلتقي ونجد أنفسنا في شوارعنا وأسواقنا ومحلاتنا ومقاهينا، وجوه تعرفهم وأخرى ألفت رؤيتهم وزوار من ملابسهم ولكنتهم تعرف أنهم عمانيون وسعوديون وكويتيون ويمنيون وعرب الخليج في شطه الشرقي العربي وآسيويون، وأوروبيون وأفارقة يجذبهم هذا الشارع؛ فباب البحرين هو إطلاله التاريخ والحضارة وإطلالة التجارة والمال، وإطلالة الفن والإبداع وإطلالة الطيبة والوفاء والشيم. هو ليس باباً من حجر، ولكنه باب عنوان ضمير شعب وأمل أمة، وحياة مواطنين وجدوا فيه ذاتهم وتميزهم فحرصوا على بقائه وذكراه، واستشعروا أن من واجبهم المحافظة عليه، وهو الرمز وما خفي كان أعظم، فلا يمكننا بجرة قلم أن نمحوا تاريخاً، ولا يمكن بلحظة طائشة نهدد مصير وطن وتطلعات شعب نحو الأمن والاستقرار والبذل والعطاء والتضحية، ولا بموقف غريب نتراجع، ونتراخى ونتنكر لماضٍ هو جزء من حاضرنا وأمل لمستقبلنا وإذا جاءت دعوات التطوير والإحياء لسوق المنامة القديم وضخ الدماء الجديدة في عروقه وعودة الوعي الجماعي لمكانته وتاريخه فلا نملك إلا أن نقول وبكل ثقة في النفس وكبرياء وشمم وأنفة «ونعومك يا زعتر». وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا