النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10759 الأحد 23 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

مخاطر المحاصصة الطائفية

رابط مختصر
العدد 9073 الثلاثاء 11 فبراير 2014 الموافق 11 ربيع الثاني 1435

لم يعد هناك مجتمعات مغلقة مثلما الحال في كثير من التجمعات البشرية في العهود السابقة، حيث كانت اللغة والدين والعرق مكونات مشتركة وكان تلازم الانسجام والخلاف يستندان أساساً على المصالح المادية أو الاجتماعية، ولم يكن للدين أو العرق أي دور خلافي، ولكن لم يبقَ الحال على هذا المنوال من العلاقات بين الناس، لأن الأعراق تعددت بفعل الظروف التاريخية التي اقتضت التنقل من مجتمع إلى مجتمع آخر واستتبع ذلك تعدد اللغات، وتفكك الأديان إلى فِرَقٍ ومذاهب، وكانت نقلة من مجتمع مغلق يشترك الإنسان في مكوناته، إلى مجتمع تفتحت أبوابه لورود أعراق أخرى ولغات أخرى وأديان أخرى، وهكذا تكونت التعددية في المجتمعات البشرية، وكان لهذه التعددية إيجابياتها وسلبياتها، ومن أسوأ السلبيات هي الصراعات العرقية والصراعات الدينية والمذهبية، وتتفاوت حدة الصراع بينها حسب الزمان والمكان وأنماط الحكم، وعندما نستذكر التاريخ الذي يروي هذه الصراعات، فإننا نجد أن الصراعات الدينية والمذهبية هي الأكثر شراسة وإيلاماً، وحتى لا نعود بعجلة التاريخ كثيراً إلى الوراء، فإننا نستذكر الاضطهاد المسيحي ضد الوثنيين واليهود في ظل الأمبراطورية الرومانية الذي نتج عنه عشرات الألوف من الضحايا دون تفريق بين طفل او كبير، بين رجل أو امرأة، وبمجرد أن انقسمت المسيحية على نفسها بمذاهب متعددة على قاعدة التفاسير المختلفة للنص المقدس المشترك حتى اندلع شكل آخر من الصراع وهو الصراع الديني في الجسم المسيحي وخاصة المجازر الجنونية بين الكاثوليك والبروتستانت، وقد تواصلت هذه المجازر دون رحمة ولا أي إعتبار لمبادئ المحبة والتسامح التي نادى بها السيد المسيح ومن مهازل هذا الجنون أنَّ المجازر كانت ترتكب باسم المسيح ومن كلا الجانبين، وتحولت تلك الصراعات المأساوية بفعل تراكم المعاناة إلى مخاض تولد منه فكر جديد ينادي باحترام الانسان للإنسان بغض النظر عن إختلاف الدين والعرق واللون، وهكذا وُلِدَ عصر التنوير الذي فَكَّ قيود الاصطفاف والانغلاق وفتح قنوات التواصل والتسامح والعيش المشترك بين جميع الطوائف والأعراق، وهذا التحول النوعي كان فاتحة التقدم الاوروبي نحو الديمقراطية ودولة القانون وفضاء المواطنة التي تتسع لجميع المواطنين ومن جميع المواطنين، وتمثل هذه المسيرة التاريخية مشهداً درامياً لمعاناة مأساوية عميقة الأثر طويلة الأمد، ولمخاض يستنهض الضمير الحي من قساوة الألم، وولادة ضياء التنوير النابع من إصرار الإنسان أن يعيش مع أخيه الإنسان في حياةٍ كريمة. وعالمنا العربي والإسلامي ومنذ ولادة ثقافته بعد المنعطف التاريخي من عهد الجاهلية إيماناً إلى عهد الإسلام ديناً والصراعات تتوالى وتتشكل وتتمايز، وفي كل فترات عهود الخلافة المتعددة والمختلفة كانت الصراعات متواصلة آخذة الأشكال والجيوب التي تفرضها ظروف العهد (الحكم) بزمانه ومكانه ومكونات المصالح فيه؛ فمنذ السقيفة قبل أربعة عشر قرناً، حيث الإنسان يتغنى بوجه القمر إلى يوما هذا حيث ترك الإنسان آثار أقدامه على سطح القمر، والسقيفة باقية في وجداننا وكأنها نَصٌّ فوق النَّصِّ حتى دخلت في جزيئات مكونات دمائنا فشكلت شخصيتنا النَزَّاعَةِ إلى تدمير الذات؛ لنختصر مديد الزمان من ثنائي زمان أبا بكر الصديق وسعد ابن عبادة إلى زمان الشيعة والسنة عندنا اليوم حيث الخطابات المتنافرة والمتكافرة والتي تنادي بأعلى آيات التفسير عندها بأن لا عيش في دولة إلا بحكم الطائفة الواحدة والنابذة لكل ما سواها من الطوائف او المحاصصة الطائفية التي تجزئ الوطن إلى مناطق ومناصب نفوذ مطفأنة ويتحول المواطن إلى أداة للتناحر والمنابذة، وذروة حكم الطائفة هو مثال السودان الذي أدى إلى تقسيم الدولة الواحدة إلى دولتين وشعبين، وهذا التقسيم يحمل في طياته بذور المواجهة والحروب، وما كان لهذا التناحر والتقسيم أن يحصل لو أن نظام الحكم كان مبنياً على قاعدة الدين لله والوطن للجميع، أما وجه المحاصصة الطائفية فتتمثل أبشع صورها في لبنان بلد الماء الزلال والخضرة النضرة والجمال الفتان، واستعراضاً للواقع الطائفي في لبنان ومنذ العهد العثماني فالكل يستذكر المواجهات الشرسة بين الدروز والمسيحيين وخاصة المارونيين وما نتج عن تلك المواجهات من ضحايا ودمار وآلام، ولأن الدولة العثمانية كانت حاضرة الخلافة الإسلامية في حينه فقد كان للمسلمين حظ من الحماية أكثر من الطوائف الأخرى رغم أن المسلمين من غير الأتراك كان ينالهم نصيب من الاستغلال والاضطهاد كذلك من الدولة، لقد عاشت الطوائف المتعددة أساسا من المسلمين والمسيحيين والدروز في حالة من التقوقع حول الطائفة وفي حالة من التوجس الدائم من الطوائف الأخرى، واستمر هذا الحال إلى بعد إنهيار الدولة العثمانية وإدخال الإرث العثماني من المناطق العربية تحت وصاية سايكس بيكون، فكانت الشام من نصيب فرنسا التي حولت حضوة الحماية الى المسيحيين والذي يعني شأنها شأن الدولة العثمانية في المساهمة في تدعيم التقسيم الطائفي والإبقاء على تشرذم الجغرافيا المشتركة إلى كانتونات طائفية لا يجمعها عيش مشترك بل هواجس ومخاوف متبادلة على مصالح ونفوذ الطائفة، وهذا الوضع الطائفي تمخض عنه دستور طائفي في عام 1943 وبمباركة من فرنسا ومن رموز التمصلح الطائفي من كبار قادة الطوائف الذين كانوا وما زالوا يتربعون على ثروة البلاد وعمل العباد، فكانت المحاصصة الطائفية في تقسيم وظائف الدولة وبالنتيجة تقسيم النفوذ الاقتصادي، ونتيجة لهذه المحاصصة ما كان بالإمكان تحاشي المواجهات العنيفة بين الطوائف ، وأساساً بين المسيحيين والمسلمين بينما الدروز في تأرجح في التحالف بين الفريقين حسب الظروف والمستجدات، وكان أبشع تلك المواجهات الحرب الأهلية التي دامت خمسة عشر عاماً كان الجار يقتل جاره وحتى القساوسة وشيوخ الدين من المسلمين والدروز تلطخت أياديهم بدماء بريئة، كل ذلك في حرب أهلية عبثية جردت أقطابها وأتباعها من أدنى نَفَسٍ من الإنسانية، وتحولت البنية الأساسية أنقاضاً على أهلها، واضطر فرقاء الحرب العبثية إلى الجلوس حول طاولة التفاوض لوقف تلك الجريمة المشتركة بعد أن أنهكتهم جميعاً، وتمخض من هذا التفاوض وقف الاقتتال وتعديلات وإضافات في الدستور، ومن الإضافات الجوهرية في الدستور بعد إتفاقية الطائف إضافة فقرة في المقدمة (الفقرة ح: إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية). كانت الإتفاقية و التعديل الدستوري في عام 1990، ونحن الآن في عام 2014، وبالحساب الزمني فقد مر 24 عاماً ومازالت المحاصصة الطائفية قائمة إلى درجة التثبيت غير القابل للتغيير، هذا الإصرار على الطائفية السياسية يفجر عقولنا بسؤال جوهري وهو: ما هي الأسرار الكامنة في التشرذم الطائفي رغم علم اليقين عند الجميع بأن الطائفية السياسية أرض خصبة للتقاتل والحروب الأهلية وحتى انقسام جغرافية الدولة مثلما حصل في السودان؟ والصيغة الدقيقة للسؤال والذي يمكن أن يمهد السبيل للوصول إلى تفسير قريب من الواقع هو: ما هي الحوافز الكامنة في الطائفية السياسية حتي تتمكن هذه الطائفية من الاستمرار وتخطي نوايا خطط التغيير والإصلاح؟ الجواب السحري العام على أسئلة من هذا القبيل هو: إذا عرف السبب بطل العجب!!! وذروة الأسباب هي المصالح، وهذه المصالح تُشَكِّلُها أصحابها بتلاوين متعددة من دينية ومذهبية وثقافية، وهذه التلاوين كلها تخفي تحت عباءتها المصالح الاقتصادية التي تتربع على كنزها السلطة السياسية المستمدة من الهيمنة على كيان الطائفة، وهذه الهيمنة، حتى تأتي أُكُلَها، تقتضي من قادتها أن تُلَوِّنَ وتفسر أصول دين الطائفة وثقافتها بما يسوغ لها أن تكون الوصية على الطائفة والمرجعية الشرعية للطائفة في جميع شؤونها العامة والخاصة، ويصبح عامة الشغيلة والطبقات الفقيرة من الطائفة جنود تحت إمرة السلطة الطائفية، وهكذا تتولد الطائفية الدينية، وهي اختطاف العقيدة من فضاء حرية الخيار البشري إلى دهاليز ومحابس الوصاية، وخلق محور مركزي يطوف حوله المُغَرَّرُون بالوصاية على الدين وعلى الإنسان، وهكذا تكون الوصاية الدينية حائلاً بين الإنسان و العقيدة، والحالة هذه، لا يصح إيمان المرء دون إيمانه بالوصاية. وهكذا تكون المعادلة المبتكرة في صالح أصحاب النفوذ: من الدين إلى الطائفة، من فضاء الخيار الحر إلى سَجَّانِ الوصاية، من الدعوة بلغة الجدل والإقناع إلى المواجهة بخطاب الكره والإقصاء والتكفير، من التعايش المشترك واحتضان جميع الطوائف إلى جيوب طائفية متنافرة، من بناء الوطن إلى تدمير الوطن. وهكذا نرى أنَّ الطائفية التي تتشدق بالدين هي التي تأخذ الدين مطية، وهي التي تنتهك حرمات الدين دون أي إعتبار لتجليات النصوص المقدسة التي تدعو وتنادي التحلي بروح المحبة والتسامح عند التعامل مع الآخرين. وهذه الطائفية الدينية لا تتحقق لها ديمومة التربع على كنز المصالح إلّا إذا أصبحت ركيزة في السلطة السياسية تشارك منافسيها من الألوان الآخري من الطائفية، وهكذا تتشكل المحاصصة السياسية. والمحاصصة السياسية المبنية على الطائفية هي احتكار للسلطة بين مكونات طائفية سائدة على قاعدة موازين القوة بينها، وهذه القوى تقسم الوطن إلى جزئياته الطائفية وتستفرد بالسلطة السياسية والهيمنة الاقتصادية، ومن مصلحتها عرقلة تأسيس دولة القانون والديمقراطية السليمة والمواطنة، ولا يسوغ لها التحول إلى إقتصاد الانتاج الرأسمالي، بل تتمسك وتدعم غلبة الاقتصاد الريعي الذي يعطيها منعة في التشبث لمواقعها الاقتصادية. من جانب آخر، فإنَّ المكون الطائفي في الدولة مكون متحرك متغير، بفعل النمو الديموغرافي والتحولات الاجتماعية الطبيعية، فتتغير معها معادلة موازين القوى، وهكذا فإنَّ المحاصصة الطائفية في مكونها ومنذ البدء متوترة وغير مستقرة وغير متناغمة، مما يتسبب في مواجهات طائفية وحروب أهلية. وهذا النمط من الحياة السياسية هو الذي يسود في دولة تتدثر بعباءة دستور يتبنى المحاصصة الطائفية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا