النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10761 الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 الموافق 14 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

لماذا يتطرف الشباب؟!

رابط مختصر
العدد 9042 السبت 11 يناير 2014 الموافق 9 ربيع الأول 1435

يجتاح الأرض العربية عنف إرهابي أعمى، توحش فتوغل افساداً وتخريباً وقتلاً وترويعاً، هدفه قتل أكبر قدر من الأبرياء شاء حظهم العاثر أن يكونوا في مقهى أو مسجد أو سوق أو مزار ديني، هدفه الأسمى بث الرعب واثارة الفوضى وهز الأمن وشل حركة الحياة وتعطيل مصالح الناس، أينما وجهت نظرك عبر الساحة لا تسمع إلا أصوات التفجيرات، كان العام المنصرم هو الأكثر عنفاً ودموياً، ودعه العالم بأفراح وآمال وودعه العرب بآلام وأحزان، هذا العنف الذي تجاوز كل المحرمات وانتهك كل المقدسات وأسقط آلاف القتلى والجرحى: ما أسبابه؟ ولماذا يستمر؟ ولماذا يجتذب إلى صفوفه المزيد من الشباب؟ أما الأسباب في تصوري، فلا تخرج عن: 1. الغلو الديني: وهو غلو ثلاثي الأبعاد، غلو في المعتقد حين يكفر الآخرين ويعتقد أنه المحتكر الوحيد للجنة وحورها، وغلو في المعاملات حين يتوسع في التحريم ويضيق دائرة المباح، وغلو في العبادات حين يتهم الآخرين بالبدعة وأن ما عليه هو وأصحابه هو الصحيح الواجب اتباعه، هذا الغلو المركب هو نتاج مناهج دينية لم تفلح في غرس قيم الاعتدال والتسامح والمحبة وثمرة خطاب ديني محرض وظف المنابر الدينية والاعلامية في غرس وترسيخ الكراهية. 2. التعصب: بكافة أشكاله الدينية والمذهبية والأيدلوجية والقبلية، وهو تعصب يستثير عند الانسان أسوأ نوازعه العدوانية للفزعة الجاهلية التي حذر منها الإسلام. 3. الاستبداد بالرأي وفرضه بالقوة، ادعاءً بتملك الحقيقة المطلقة وعدم الاعتراف بنسبية الحقائق السياسية والاجتماعية. 4. تشويه المفاهيم الدينية بقراءات خاطئة للجهاد والأمر بالمعروف والولاء والبراء وعدم التشبه بالكفار، في غفلة عن سياقها الاجتماعي الزمني. 5. أوهام التآمر على الإسلام والمسلمين والتي تحتل المساحة العظمى في عقول قطاع كبير من الناس، تقوم المنابر الدينية والفضائية بتغذيتها وترويجها على تصوير الآخر بأنه في حالة تربص مستمر بنا. 6. أوهام استعادة (الخلافة) التي تحكم عقلية قطاع كبير من الدعاة والرموز ظناً أن نظام الخلافة هو الذي أمر به الإسلام، ولا أدل من أن كافة خطباء الإسلام السياسي كانوا في ظل عهد الرئيس مرسي يبشرون بالخلافة، وهناك حزب (التحرير) الذي نذر نفسه للخلافة، مع أنها ليست من أصول الحكم الإسلامي لأنه لا يوجد في القرآن والسنة ما يوجبه، فالقرآن الكريم كما يقول الفقيه الكبير خلاف إنما أتى بمبادئ عامة صالحة للتطبيق في مختلف الأزمنة والأمكنة، وما الخلافة إلا صورة من صور الحكم، لا يصلح لزمننا لأنها تقوم على استئثار الخليفة بكافة السلطات وتغييب المؤسسات والشعب. 7. تشويه الحضارة المعاصرة: بوصفها بالصليبية الحاقدة تارة، والاباحية الماجنة تارة أخرى، والعدوانية الساعية للهيمنة على العالم الإسلامي ومقدراته تارة ثالثة، وذلك عبر منهج انتقائي ادعائي ممنهج في الثقافة الاسلامية والخطاب الديني والإعلامي، يضخم سلبيات الحضارة ويهمش ايجابياتها، ظناً أن تشويه حضارة الآخر، يحقق (التحصين الثقافي) للناشئة تجاه الغزو الثقافي. 8. الأنماط التربوية السائدة في التنشئة العربية: إذ يتبرمج الطفل العربي على نمط تربوي يتشرب فيه ويمتص الثقافة الموروثة والمحيطة – تلقائياً – طبقاً للمفكر السعودي ابراهيم البليهي، وهي ثقافة تقوم على عناصر غير آمنة، بالتمييز بين الذكر والأنثى ووصاية الذكر على الأنثى وكراهية الآخر المختلف معتقداً او مذهباً أو قبيلة أوديناً، يربي الذكر ليكون سيداً مطاعاً بينما يربي الأنثى لتكون تابعة مطيعة، هي ثقافة تعلي من مكانة الرجل على المرأة، دنيا وآخرة، لقد درست حياة الانتحاريين في الصغر فلاحظت أنهم ضحايا لأسر مفككة بسبب نزوات الأب فحرموا من الحنان والدفء والتواصل الأسري. 9. الموروث الثقافي العربي: العنف مرض ثقافي اجتماعي ممتد من أيام الجاهلية في صورة الصراع على المرعى والغنيمة، وكان عنفاً ممنهجاً يفتخر به شاعر القبيلة، ونصف ديوان العرب في تمجيد انتصارات العربي على أخيه العربي وسلبه أمواله ونسائه! وهي ثقافة تأسست على الصراع والغلبة واستئصال الآخر، قال شاعرها (إنما العاجز من لا يستبد) وقال (لنا الصدر دون العالمين أو القبر) وقال (إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر) وقال (السيف أصدق أنباء من الكتب) والتاريخ الثقافي الاجتماعي العربي ما هو إلا تاريخ طويل من الصراعات على السلطة والاستحواذ على الغنيمة عبر عنه الجابري في ثلاثيته: الدين، القبلية، الغنيمة، البيئة الصحراوية القاسية جعلت الدنيا أمام العرب لا تتسع إلا لفئة واحدة، فكانت الحياة صراعاً مريراً على موارد الماء الشحيحة، من كان يرد إليها لا يبقي شيئاً لغيره، كما قال البليهي. 10. عدم كفاية (التحصين الثقافي) للشباب: دينياً وثقافياً وفكرياً، وفي تصوري إن هذا العامل هو أهم العوامل التي تخلق لدى الشباب (القابلية النفسية) للفكر العدمي فعندما لا يجد الشباب حواضن فكرية تربوية اجتماعية تحصنهم وترفع مناعتهم، فإن قابليتهم للوقوع في أحضان التطرف، كبيرة، وإلى اليوم لا توجد في البلاد العربية (استراتيجية وطنية شاملة) لمواجهة الفكر المتطرف، تشارك فيه كل المؤسسات الدولة والمجتمع، بحيث يكون هناك تنسيق وتعاون بينها، ولا تهدم مؤسسة ما تبنيه الأخرى، بل العكس هو الحاصل إذ نشاهد مؤسسة معينة تدعو للانفتاح والاعتدال والوسطية، وفي المقابل مؤسسة أخرى تكرس التعصب والكراهية وتوسع دائرة التحريم، وهذا ما لاحظناه في احتفالات نهاية العام إذ عمدت مؤسسات إلى التحذير من المشاركة في الاحتفالات وتهنئة المسيحيين، وانتشر المحتسبون المتطفلون مستغلين وسائل التواصل الاجتماعي، للتحذير من التشبه بالكفار، مع أن ديننا الحنيف يشجع على محبة الآخرين وتواصل العلاقات معهم بالمعروف. لماذا يستمر الارهاب؟ بسبب (التسييس) أي تسييس العمل الارهابي، بالقول بأنه ما دفع هؤلاء الشباب للإرهاب إلا أنهم رأوا، مظالم وقمعاً وتعذيباً وعدم عدالة في مجتمعاتهم، فهم طلاب حق وإن أخطأوا الطريق، سبق قبل عدة سنوات أن قال أحد المنظرين في كتيب صغير مبرراً العمل الإرهابي في مصر(أنهم شباب متدينون مخلصون صوامون قوامون غيورون على الإسلام، هزهم ما يرونه في مجتمعاتهم من ردة فكرية وتحلل خلقي وفساد اجتماعي واستبداد سياسي، فهم طلاب إصلاح أخطأوا الطريق) إن تبرير العمل الإرهابي بقهر الأنظمة وشيوع الاستبداد والتحلل، او ربطه بالعوامل الاقتصادية أو قضايا الصراع الدولي أو الوجود الامريكي أو التآمر على الإسلام الخ... هو الذي يمد في عمر الإرهاب ويجتذب المزيد من الشباب إلى أحضانه، ويكفي في سطحية هذه التبريرات، أن نقول: إن هذه المظالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، موجودة لدى كافة شعوب الأرض وبشكل أشد، ومع ذلك لم تدفع شبابها لتفجير أنفسهم في الأبرياء كما فعلنا! ثم إن عنف الإرهابيين سابق بزمان طويل على عنف الأنظمة، ثم إذا كان الإرهابيون يريدون الانتقام من الانظمة العربية كما يزعمون، ما ذنب الأبرياء الذين يتساقطون كل يوم؟! إن تبريرات الارهاب هي الأكثر خطورة من العمل الإرهابي، لأنها تهيئ المناخ الاجتماعي الملائم لانتشار ثقافة العنف.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا