النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10761 الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 الموافق 14 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

سوِ خير وقطه في البحر

رابط مختصر
العدد 9025 الأربعاء 25 ديسمبر 2013 الموافق 21 صفر 1435

لا أدري لماذا اختار حكيم مجتمعنا البحر لنلقي فيه الخير ولا نبالي؟! وتفسيري الوحيد لذلك أن البحر كان بالنسبة لمواطني الخليجي العربي في ذلك الوقت هو مصدر الخير والبركة؛ فإليه تبحر السفائن بالرجال إلى مغاصات اللؤلؤ وإليه تبحر «الأبوام» إلى الهند والبصرة وبعض سواحل أفريقيا للتجارة و»القطاعة» لتحمل من البحرين التمر وبعض منتجات النخيل، وتجلب الخير من زاد، وملابس، وحاجيات وعادات وتقاليد، وفنون، وحكمة وخبرة وتجربة من تلك البلدان التي توقفوا فيها. والبحر أيضاً بما يلقي على أسيافه من أخشاب وخيرات كان مصدراً من مصادر العيش للأسر، وكانت المرأة تحديداً تجمع الأخشاب كوقود للطبخ، كما كانت تطرب لجمع «الصبان» لحيشان البيوت لكي يكون حامياً لعدم تجمع مياه الأمطار، وليسهل تنظيف البيت، وهو أيضاً مساهم في جمال الحيشان التي للأسف الشديد لم نعد نلقي لها بالاً، هذا إذا ما توفرت في البيوت، وقد أصبحت اليوم نادرة الوجود في ظل تسابقنا على بناء الطوابق وإستيراد هندسة بعيدة عن حاجات ومعطيات البيئة الطبيعية والإجتماعية لنا، أو بيوت الإسكان التي أصبحت تلبي الحاجات الضرورية إن أمكن ذلك. عموماً البحر أبو الخير، ويكفينا فخراً اليوم أن ثلاثة أرباع ما نشريه من ماء يأتينا من البحر بعد التحلية. «سو خير وقطه في البحر»، حكمة بالغة التأثير، ونتيجتها قد تأتي مبكراً أو قد تأتي متأخرة، وهذا لا يهم، المهم أن الخير يبقى ويستمر وقد ينسى صاحبه ما عمل، بل هو في كثير من الأحيان لا يرجو من وراء ما قام به مردوداً. التاريخ الذي كان يرويه رجال بلادي حافل بتلك المواقف الإنسانية التي قاموا بها في البحرين وخارجها وتركت أثراً في نفوس المشمولين برعايتها وتوارثوا هذه المواقف وتذكارها أباً عن جد؛ فكانت الروابط بينهم وثيقة والوشائج متبادلة، واستطاعوا أن يبنوا صداقات ومعارف بل زيجات ومصاهرة. من يبني مسجداً فهو يشكر الله ويخافه ويطلب الأجر والمثوبة، ولكنه قد لا يدري أن المسجد يساهم في خلق علاقات إجتماعية وإنسانية ويجعل من يؤدي الصلوات في خشوع الأقرب إلى خالقه. كما يتيح المسجد فرص عمل خير لمن قدر الله له أن يكون في خدمة دينه وبيوته. ومن فتح صالة فهو يبتغي من ذلك أن يساهم في مساعدة أبناء مجتمعه لتوفير أماكن أفراحهم وأحزانهم؛ وهو بذلك لم يرمي الخير في البحر وإنما زرعه في الأرض، فأثمر خيراً كثيراً. ومن يسعى لمساعدة محتاج وفك كربة المكروب، ويساعد الطلبة على الدراسة وحفظ القرآن الكريم ويغيث الملهوف، ويأخذ بيد الضعيف، ويسعى بالخير على الأرملة والمطلقة والحاضنة، ويبذل كل ما في وسعه لمساعدة المهجرين واللاجئين والمشردين من أبناء وطننا العربي والإسلامي فهو لا يعرف الأسماء ولا يعرف الأعمار ولا يعرف الوجوه ولا الإنتماءات ولا المذاهب والنحل والملل فهو يصنع المعروف والخير ويأمل أن يصل ذلك لمن يستحقه، وهو في ضمير حي مع الله ويؤمن بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا. وهذا لا يعني أن غير القادر مادياً لا يعمل معروفاً أو خيراً، بل إن قيمنا الدينية اعتبرت: «تبسمك في وجه أخيك صدقة»، لأنك أدخلت السرور إلى نفسه، وأشعرته بالإطمئنان، ومهدت بينك وبينه طريقاً للتفاهم. والقيم العقيدية تأمرنا «بإفشاء السلام بيننا»، وهو أيضاً وسيلة من وسائل التفاهم والتقارب والتلاقي، وهي لا تكلف مالاً ولكنها قد تكون عصية وصعبة خصوصاً على من أمتلأ قلبه حقداً وضغينة، ومن وجد الحياة كلها بلون واحد. فما أحوجنا اليوم إلى مراجعة النفس، والبناء على ما تركه لنا الأجداد والآباء من موروثات وقيم إجتماعية وإنسانية؛ فهم لم يسيروا الأمور على الكراهية والشحناء والبغضاء، وعندما تضيق بهم الدنيا يلجأون إلى بعضهم بعضاً فيبثونهم شكواهم ومعاناتهم ويلتمسوا منهم العون والمساعدة، لا لضعف وهوان بل عزة ومنعة وثقة متبادلة وحب وكرامة، وشعوراً بالتكافل الإجتماعي، وغيرة على مجتمعهم و»فريجهم» ومدينتهم وقريتهم، لأن في قوة جارهم أو صديقهم أو معارفهم قوة لهم وعزوة لجهودهم وكانوا مؤمنين أولاً وأخيراً: «بسو خير وقطه في البحر». وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا