النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10757 الجمعة 21 سبتمبر 2018 الموافق 11 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:08AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:39PM
  • العشاء
    7:09PM

كتاب الايام

مسمار في ليفة

رابط مختصر
العدد 9004 الأربعاء 04 ديسمبر 2013 الموافق 30 محرم 1435

عندما يتكلم أحد الرجال «التكانة» ويعد بأمر من الأمور، يصفه الناس بأن كلامه «مسمار في لوح» ومعروف أن المسمار في اللوح يبقى ثابتاً مثل المسمار في «الطوفة» أما الرجل المعروف عنه الكلام من غير فعل فيوصف بأن كلامه «مسمار في ليفة» والليف معروف في مجتمعنا وهو أحد نتاج النخلة، فقوة المسمار في الليف لا وجود لها، ولا يمكن أن يثبت المسمار في الليف، وهذا كناية على أن الكلام الذي لا يصاحبه فعل على الأرض يظل مجرد كلام، والأقدمون في مثل هذه الحالات يصفون ذلك أيضاً: «بأن اللسان ما فيه عظم» أي أن الكلام ينطلق على عواهنه لا يقف في طريقه شيء؛ لكنه يظل كلاماً فحسب». كثيرة هي المواقف التي نتعرض لها سياسياً، واقتصادياً، واجتماعياً يكون فيها الكلام والوعود: «مسمار في ليفة» لكن الكلام المفيد، والكلام الذي وراءه أهداف ومقاصد، ويحمل رسائل لا يمكن التغاضي عنه، وإن لم يحمل وعوداً وخططاً واضحة المعالم. وقد قيل سابقاً ولا يزال فعل ذلك يتكرر في كثير من البلدان والمواقف: «إن الحرب أولها كلام» بل إن كثيراً من الويلات والمآسي، والمشاكل سببها الكلام أو ما تم تناقله من كلام يضاف إليه الكثير من التحريف، والتبديل والإضافة أو النقصان بقصد أو بغير قصد ويكون، ضحاياه أفراداً أو جماعات، وربما دولاً وشعوباً. نحن الآن شعوب تعيش في عصر العلم والمعرفة، ونعيش في زمن توفرت فيه المعلومات من الشرق والغرب، والوصول إلى المعلومات بات بين أيدينا ومن خلال أجهزة توفرت، وهذه المعلومات بغض النظر عن وصفنا لها بالمفيدة أو الضارة فقد لعبت دورها، واستفاد منها من استفاد حسب رغبته ونيته ومقصده ولا يمكن أن نقف نستجدي من الآخرين الخير والمعروف، فكل في هذا العالم يتنافس ويسعى للحصول على المعلومات التي تزيد في بلاده تقدماً ورقياً، وتسهل على المواطنين معيشتهم بالطرق التي تخدم الأهداف التجارية أو الاقتصادية أو السياسية. كان الناس في بلادي يستقون معلوماتهم من المجالس ومن زملاء المهنة، ومن السابقين لهم، ومن ترددهم على المساجد. فيجتهدون ما وسعهم الاجتهاد في التغلب على الصعاب التي يواجهونها، والبحث عن لقمة العيش وربما السفر إلى الخارج لطلب الرزق. تغربوا في البحار بحثاً عن اللؤلؤ تارة وسعوا إلى التجارة تارة أخرى، كانت الهند معروفة لديهم، وكذلك بعض دول الساحل الأفريقي، كان النواخذة أسياد الكثير من المواقف، وكان «الشريطية»، أو كما نطلق عليهم الآن في عرفنا الحديث، «تجار الشنطة»، رموزاً للتجارة البينية، وهذا لا يعني عدم وجود رجال عرفوا بالتجارة وتوارثوا الخير أباً عن جد وكانت علاقتهم بالآخرين قائمة على المصالح المتبادلة والمنافع المشتركة وكانت الثقة بينهم كبيرة، والمعاملة الحسنة شعاراً تبنوه وحرصوا على التمسك به، ولم يفتهم أن يبنوا علاقات اجتماعية وإنسانية مع من تعاملوا معهم من مختلف الأعراق والأنساب والأديان والبلدان، ولكن كانت كلمتهم مسماراً في لوح، صادقون في تعاملهم وافون بعهودهم ومواثيقهم غير المكتوبة في كثير من الأحيان، فنشأت علاقات وازدهرت التجارة، وتصاهروا وتناسبوا، وأصبحت الروابط أكثر وثوقاً، وشعروا يوماً أن الخطر الداهم حولهم واحد، وأن المصير المتوقع لا يستنثي أحداً منهم. فكانوا إذا أصيب أحد منهم بكساد في تجارته وبضاعته قالوا له بالفم المليان: «طيح واقف» آزروه ونصروه وأخذوا بيده، شعوراً منهم بواجبهم الوطني والإنساني وإحساسهم بأن الظروف التي تمر بالآخر قد تمر بهم. وليكون كلامنا مسماراً في لوح علينا أن نكون صادقين؛ فالكذب حبله قصير، والصدق منجٍ وإن طال الزمن وعلينا أن نثق في بعضنا، ولكنها ثقة الوعي والإدراك، لا ثقة الغفلة والغياب عن الوعي. وعلينا أن نسعى لتكوين أسرتنا الصغيرة بالإخلاص في العمل والتفاني فيه، وجلب الرزق الحلال الطيب الطاهر لهم؛ لأن في بناء الأسرة بناء المجتمع وعندما يقوى المجتمع يأتي الخير، لسبب بسيط هو أن الكل يعمل، والكل يكدح من أجل لقمة العيش، والكل ينأى بنفسه عن أن يكون عالة على غيره، ويجب أن لا نستنكف من عمل أيدينا مادام الكسب حلالاً ومشروعاً. قطعاً سنتعلم من غيرنا الكثير؛ فالشعوب التي نراها اليوم تقدمت لم يكن تقدمها من فراغ، ولم يكن تقدمها سعت إلى شرائه من الآخرين، وإنما انطلقت من تربتها ومن إخلاص أبنائها، ورؤية وبصيرة من يملكون زمام أمورها وممن يؤمنون بأن كلامهم مسمار في لوح وليس «مسمار في ليفة». وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا