النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10756 الخميس 20 سبتمبر 2018 الموافق 10 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

لا يغرك شراعه ترى سماري

رابط مختصر
العدد 8983 الأربعاء 13 نوفمبر 2013 الموافق 9 محرم 1435

البحارة رجال خبروا الحياة، علمتهم مهنتهم الصبر والتحمل، واستمدوا أمثالهم من البيئة التي خبروها، فقبل مجيء ماكينات «الطراريد» كان الشراع هو سيد الموقف بالإضافة إلى «الميداف» و»الخطرة» وأحدهم يغني عن الآخر. كان عدد الشواعي والجوالبيت في كل منطقة من مناطقنا محدوداً وكانت «الحظور» البديل عن الذهاب إلى أماكن بعيدة حيث الصيد «بالقراقير» أو «الخيوط» أو «اللفاح» في وقت كثرت فيه الأسماك وتنوعت أشكالها أما اليوم ففي كل «ميناء» و»بندر» و»فرضة» العدد في تزايد، وخصوصاً «الطراريد» واليخوت الصغيرة وقل بل ندر وجود «الشوعي» مع شحة الأسماك وندرة أنواعها؛ فقد أقتنع من يملك طراداً؛ خصوصاً من هو هاوٍ وغير محترف بالصيد القليل ووجد متعة ركوب البحر لا تعادلها أي متعة. منذ أن ركبت البحر وأصابني «الدوار» أو بالمعنى الشعبي «هدمت» وأنا في جفوة من ركوب البحر للصيد، وآمنت بأن لكل مهنة أو حرفة أو هواية رجالها أو نساؤها، وأدركت بأنني طير بر وليس بحر. لا يغرك شراعه ترى سماري!!؛ والشراع أنواع وأشهرها الكبير «العود» و»السفديرة» و»الغيلمي» و»الجيب» و»التركيت» وهو يعمل عملاً رائعاً في تحريك السفينة صغر حجمها أم كبر؛ خصوصاً عندما يكون الهواء «تارس». فمنظر الشراع يخلب الألباب والسفينة وهي تتهادى تثير الإعجاب، وسرعتها تبعث على الفخر ولكنك تصدم عندما تعلم بأن الشراع لم يكن له أي تأثير بل أن الموج العامل المساعد وتكون اللنج أو الشوعي في وضع «السماري». وهذا ينطبق على كثير من الأمور، فأحياناً نغتر بإنسان ويعجبنا هندامه، وحلو منطقه، ومعسول كلامه، لنكتشف أن أفعاله «مش ولا بد» وإنه يظهر غير ما يبطن، وأنه يتظاهر بالطيبة ويخفي كل شرور الدنيا، ويظهر التواضع وهو في قمة التكبر، ويظهر البساطة وهو في غاية التكلف، ويظهر الشفقة وهو في غاية التشفي ويتنطع بالصفات الحميدة وهو واقع في مستنقع الخطيئة، ويحلف بالصدق وهو متفنن في أساليب الكذب. وهناك نماذج أخرى تظهر الفاقة وهي في غاية الغنى، وتظهر الوداعة وهي في غاية الدهاء، ويتظاهر البعض بالحاجة وهو ضمن من يملكون الأرصدة المتورمة في البنوك، وتبدو على البعض الغباوة وهم في غاية الذكاء والفطنة. فلا المتظاهر «إيجابياً» أو «سلبياً» متوازناً في شخصيته، متلائماً مع مجتمعه متوافقاً مع شركائه في الحياة، وسرعان ما ينكشف أمره، ويفتضح مخبره، وتتلاشى الهالة حوله. كان الناس في مجتمعنا بسطاء، ولا زالت البساطة والطيبة موجودة في نفوس الأحفاد والأبناء، ولازال النقاء والصفاء يزين النفوس والأخلاق وما يزال الناس الخيروون يعطون لغيرهم بذلاً وسخاء وتضحية، ولا تزال أعمال الخير كثيرة وإن أصابتنا أحياناً حالات تخيلنا فيها أن ما ألفناه وتعودنا عليه قد تلاشى. لقد حبانا الله العقل والفطنة، وألهمنا الحواس الدقيقة والاستشعار الإنساني، ونملك أن نميز بين الخير والشر، وتجارب الحياة والظروف التي يمر بها الإنسان تعلمه الكثير؛ وترشده إلى الطريق الذي يعبر من خلاله إلى الأمان. لا نريد أن يكون الإنسان ملاكاً، ولا نريد من البشر أن يكونوا آلات دقيقة متقنة قلما يصيبها الخطأ، فالإنسان عقل وقلب وعاطفة وإدراك، والخطأ وارد ولكن تلافي الخطأ والاعتراف به طريق النجاح والفلاح وكسب ود الناس واحترامهم. لن يأخذ الناس أموالك، ولن يطول عمرهم بخصالك، فمالك لك وطيبك للناس هذا ما كان يردده على مسامعنا الناس الطيبون في بلادي. لقد تعود الناس في بلادي على إفشاء السلام بينهم، وتعودوا على زيارة مرضاهم وألفوا الابتسامة والوجوه المنفرجة الأسارير، واستشعروا واجب المواساة في التعزية والمشاركة في الأفراح، وتعودوا على الزيارات في المجالس، والمشاركة في الأعمال التطوعية وساهموا في إنشاء الأندية والجمعيات وتعودوا على الترحيب بالضيوف واحترام المساهمين في البناء والنماء جمعتهم المدارس والنوادي والمواصلات والأسواق والوظائف. استظلوا بفيء ضحى الوطن، وشربوا الماء من مصدر واحد ونالوا خيرات الوطن بحراً، وأرضاً وأدركوا قبل كل شيء إن المصير واحد والسفينة التي تقلهم واحدة. وأدركوا بفطرتهم وحسهم الإنساني؛ «لا يغرك شراعه ترى سماري». وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا