النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10762 الأربعاء 26 سبتمبر 2018 الموافق 16 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:55PM
  • المغرب
    5:30PM
  • العشاء
    7:00PM

كتاب الايام

نخيلات في الجسرة

رابط مختصر
العدد 8976 الأربعاء 6 نوفمبر 2013 الموافق 2 محرم 1435

أثارت شجوني نخيلات باقيات من نخيل بيت كان لجدي في الجسرة، أين تلك «الخلاصة»؟ وأين تلك «الخنيزية»؟ وأين تلك «المرزبانة»؟ وأين تلك «البجيرة»؟ وأين وأين أنواع إزدان بها البيت وكل نخلة تتباهى بما تحمل من «عذوق» حيث البلابل والعصافير تمرح وتأكل من ثمار النخل، وحيث نتسلق نحن الصغار لنستريح على أحدى سعفات النخيل وفي يدنا سمك «الباسي» المجفف لنأكله مع الرطب، ونتبارى أينا يستطيع أن يصل قبل الآخر إلى أطول نخلة في البيت. كان جدي لأبي محمد بن صالح الذوادي يرحمه الله يعرف كل نخلة ومن غرسها وكانت من بينها نخيلات غرستها «أمي» قبل وفاتها الله يرحمها وكنت أعتبرها الذكرى الباقية من كرامة أمي، فأعتني بها، وكان والدي وجدي يرحمهما الله يؤثراني بثمارها عن سواي كانت تلك النخيلات بقبالة عريشنا الذي كنا نركن إليه أيام الصيف في منزلنا، وكانت جدتي لأبي يرحمها الله تقص علينا الحزاوي، ولا تنسى أن تذكرنا بقيمة النخلة وخوصها، فقد كانت يرحمها الله بارعة في «السف» كغيرها من نساء الجسرة. تذكرت تلك الجلبان في حوش بيتنا كل جليب يروي عدداً من النخيل وكان عمق كل واحد يختلف عن الآخر، وكان علينا الاعتناء بهذه الجلبان ولا نأخذ من الماء إلا حاجتنا، وفي الليل يحرص جدي على تغطية النازل والصغير منها خشية أن نقع فيها في الظلام، ففي الليل لا نحظى إلا بضوء القمر في الليالي المقمرة أما ما عداها، فالظلام يرخي سدوله ويشكل، مع حفيف سعفات النخيل، خوفاً وفزعاً للصغار. كان موسم الرطب يمثل للجسرة شهر الخصب والعطاء، فأهل الجسرة عاشقون للنخيل ولا يخلو بيت صغر أم كبر من النخيل وكان الناس يتهادون ثمار النخيل تبركاً وتواصلاً مع بعضهم بعضاً، وكانت البساتين التي يملكها بعض أفراد العائلة المالكة الكريمة مفتوحة للجميع لأكل الرطب واللوز، والتين والاستحمام في البرك، وتعارف أهل الجسرة على أوقات الاستفادة من تلك البساتين بتوزيع اوقاتهم، فأوقات للرجال، وأوقات للنساء وأوقات للأطفال والشباب، بالإضافة إلى عيون الماء المخصصة أصلاً للنساء، حيث يغسلون ملابسهم و»مواعينهم». وعندما يحين موعد انتهاء موسم الرطب تنتشر في أحواش بيوت الجسرة «السميسم» التي توضع عليها التمور معرضة للشمس لكي تنضج وتكون جاهزة لوضعها في «القليل» و»الجلوف» وتخزينها في البيوت للاستفادة منها طوال أشهر الشتاء ولحين قدوم موسم الرطب، وما يزيد عن حاجة المنزل يتم بيعها إما في سوق المنامة «سوق الأربعاء» أو في «سوق الخميس» بمنطقة الخميس، بلاد القديم حالياً عبر وسطاء. ولا ينسى الجسراويون الاستفادة من دبس التمر، فيعملون له المجرى المناسب للإستفادة منه في «عيش المحمر» وبعض أنواع الحلوى. في موسم الرطب وموسم التمر يتشارك أهل الجسرة في العناية بالنخيل فهم بالإضافة إلى اهتمامهم بالزراعة فهم أهل بحر وصيد للسمك ويستفيدون من النخيل وخيراتها في نصب «الحظور» وعمل «الحبال» وبناء «العرشان» و»البرستية» وهذه المهن جعلتهم يتعاونون مع جيرانهم من القرى المجاورة، وأصبحت الجسرة موضع استقطاب من جميع مدن وقرى البحرين ناهيك عن انتشار أنواع شتى من الطيور والتي تعتبر الجسرة الموطن الأثير للبلابل وبعض الطيور الجوارح وكانت النخيل محطة استراحة لهم. الجسرة على صغرها، فهي تمثل رمزاً للقرية المنتجة، والقرية المسهمة في الإنتاج الوطني، والقرية المثال في الاعتناء بالنخيل وخيراته. والقرية النموذج في التعايش والتجانس المجتمعي والتلاحم والتكاتف والتآزر بين المواطنين. الجسرة القرية الوادعة اهتم مواطنوها بالتعليم الديني المتمثل في الكتاتيب، وأعتاد أهلها على التمتع برؤية الخيول العربية الأصيلة، والجمال والنوق العربية التي كان يملكها المغفور له بإذن الله تعالى سمو الشيخ سلمان بن حمد بن عيسى بن علي آل خليفة حاكم البحرين وتوابعها في ذلك الوقت والذي كان يخصص أياماً لرؤيتها فكنا ونحن صغارا نفرح بقدوم الشيوخ إلى قريتنا ونأنس برؤية الخيول والجمال. الجسرة بعد أن توزع أهلها على قرى ومدن البحرين ظلت القرية التي تحن لها الأفئدة وتتعلق بها القلوب، وظل أحفاد وأبناء رجال قرية الجسرة ممن أنعم الله عليهم بالبقاء في الجسرة إلى يومنا الحاضر لم تغير طباعهم الأيام ولم تؤثر في أخلاقهم وشيمهم تقلبات الزمان، وظلوا الأوفياء لقريتهم والأمناء على تاريخ أجدادهم وأبائهم، والحريصين على وطنهم ووحدة الشمل والكلمة والمتشربين بحب الوطن والتفاني في خدمته والحرص على الترابط والتراحم ولم الشمل وظلوا الحريصين على تراث وعادات وتقاليد أهل الجسرة وظلوا أمناء على العناية بالنخيل وغرسوا في بيوتهم «النجايل» آملين في أن يكون «خلاص» و»خنيزي» الجسرة كما كان العهد به طيباً وحلواً وكبيراً. وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا