النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10758 السبت 22 سبتمبر 2018 الموافق 12 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    3:00AM
  • المغرب
    5:40AM
  • العشاء
    7:10AM

كتاب الايام

التلازم بين الأمن وحقوق الإنسان

رابط مختصر
العدد 8967 الأثنين 28 أكتوبر 2013 الموافق 23 ذو الحجة 1434

واحدة من القضايا الأساسية في معالجة تجاوزات حقوق الإنسان في البحرين، مرتبطة بشكل أساس بالمرجعية الثقافية والمعايير القانونية والتشريعية التي تشكل غطاءً منطقياً وقانونياً في طريقة المعالجة. ففي الوقت الذي نرى فيه البعض يخالف القانون -كأن يخرج في تظاهرة غير مرخّصة- مع أنه يمكن الحصول على ترخيص، وحجته بأن ما يفعله يتوافق مع المعايير الدولية، بحيث لا يعتبر عدم أخذ رخصة مانعاً من التعبير عن رأيه او مخالفاً لحرية التجمع والتظاهر.. نرى في المقابل أن الحكومة تنضم الى اتفاقيات دولية، تتضمن بنوداً بضرورة مواءمة قوانينها مع تلك الاتفاقيات، ولكن حين التطبيق تعتمد القانون المحلي كمرجعية دون النظر الى تلك الاتفاقيات، ولا الى المعايير التي أصبحت شائعة عالمياً، وبالتالي فإن الحكومة تجد نفسها غير قادرة على إقناع المجتمع الحقوقي الدولي بإجراءاتها القضائية والإدارية. العديد من الأحداث التي وقعت في البحرين انطوت على إخلال بالأمن، وعلى تجاوزات لحقوق الإنسان، وهما أمران شكّلا تحدياً لمؤسسات الدولة والمجتمع المدني والقوى السياسية الفاعلة. وكان الرأي المجمع عليه «ولو من الناحية النظرية» يقول: لا للإخلال بالأمن؛ ولا لانتهاكات حقوق الإنسان. لكن عند التطبيق، وقع المحظور بنسبة أو أخرى؛ ووضعت حقوق الإنسان في تصادم مع مسألة توفير الأمن، والأمر ليس كذلك بنظرنا. حيث يمكن توفير الأمن والاستقرار دون التنازل عن مبادئ ومعايير حقوق الإنسان. إن الحفاظ على الأمن ضرورة لحقوق الإنسان، ولكنه لا يمثّل بديلاً له. ولا يجب أن يتم الحفاظ على الأمن على حساب حقوق الإنسان. هناك صعوبة في تحقيق الموازنة بين الأمرين؛ وكلما اشتدّت الظروف السياسية وتوترت الأوضاع، كلّما كان صعباً التوفيق بينهما. فمن جهة تؤكد السلطات على جانب الأمن وأهميته وتقدّمه على ما عداه، بل ويصل الأمر في بعض الدول الى اعتبار الأمن مقدماً على حقوق الإنسان. وفي الطرف الآخر، هناك من بين دعاة الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان من يؤكد على أن عدم احترام حقوق الإنسان، والإمعان في التجاوزات يؤدي الى الإخلال بالأمن والنظام. هي معادلة صعبة إذن. إن عدم الاستقرار والإخلال بالأمن يؤثر بصورة مباشرة على حقوق الإنسان من جهة عواقبه في مسألة التمتع بالحق في الحياة، والحرية والسلامة الجسدية، وهو -أي الإضطراب وفقدان الأمن- عامل أساس في تقويض المجتمع المدني، وتهميش دوره، سواء من خلال تضييق فسحة نشاطه، أو عبر تسييسه، بحيث تصبح تلك المؤسسات ذات قيمة منخفضة. فضلاً عن ذلك، فإن الإخلال بالأمن يهدد التنمية الاجتماعية والاقتصادية بما يؤثر بصورة مباشرة على التمتع بحقوق الإنسان بمعناها العام والشامل. ومن جهة ثانية، ظهر في البحرين كما في بلدان عديدة أخرى، تحدّي الالتزام بمعايير حقوق الإنسان في سياق الأزمات السياسية وما يترتب عليها من اضطرابات أمنية واجتماعية. يشمل التحدّي احتمالية تجاوز أمن الأفراد الذي هو حق أساسي من حقوق الإنسان، ووقوع انتهاكات في هذا المجال، بما فيها سوء المعاملة، وتقليص هامش حرية التعبير، وتقييد منظمات المجتمع المدني عامّة؛ ومثل هذه الممارسات تؤثر على «سيادة القانون» وتحقيق «الحكم الرشيد» وضمان حقوق الإنسان. هذا يؤكد حقيقة أن الاستقرار والحفاظ على الأمن من جهة، واحترام حقوق الإنسان من جهة أخرى، أمران متلازمان. لا يمكن الحفاظ على أحدهما دون الآخر. بدون الأمن تضيع حقوق الإنسان؛ وبدون حقوق الإنسان لا يتحقق الأمن. ومن هنا أوجب قانون حقوق الإنسان الدولي على الدول أن تتخذ التدابير للحفاظ على الأمن، ليس فقط عبر استخدام القوة المرشّدة، وإنما قبل ذلك أيضاً: عبر التصدّي للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية التي تهيئ الظروف لانفراط الأمن، وتؤدي في نتائجها الى الإخلال بالاستقرار، وتدفع بالجمهور الى توتير الأوضاع. إن اعتبار الأولوية لتثبيت الأمن صحيح في مفهومه العام؛ حيث تكمن أهمية الحفاظ على أرواح المواطنين وأموالهم وأعراضهم، وكراماتهم. أي حين يكون الوصول الى تلك الغاية منضبطاً بضوابط القانون وشرعة حقوق الإنسان. أمّا إذا استخدمت وسائل غير منضبطة، فهذا يرتدّ عكسياً على الهدف والغاية ذاتهما، ويكون ثمن الاستقرار غالياً ذا كلفة عالية، وبذا يصبح الاستقرار مؤقتاً غير مكتمل ودائم. بمعنى آخر، فإن أولوية الأمن لا تتحقق نتائجها الكاملة بدون مراعاة حقوق الإنسان، وكلّما جرى تجاوز ذلك، انعكس على الأمن سلباً. من مهام الدولة أن تقوم بالأمرين معاً: حفظ الأمن وتوفير حقوق المواطنين الخدمية والمعيشية والسياسية والاقتصادية وغيرها، وهذا لا يتم إلا عبر احترام مبادئ حقوق الإنسان. وعليها من طرف ثان: ضبط تصرفات أجهزة نفاذ القانون لتكون في إطار التشريعات الدولية والقوانين الوطنية. ومثل هذا التأكيد يجب أن يكون حاضراً في الواقع كما في الأذهان حتى في الأزمات الكبيرة التي تتعرض لها الدول. إن اتخاذ التدابير الفعالة لفرض النظام والقانون وتوفير الأمن من جهة، وحماية حقوق الإنسان من جهة أخرى، ليسا أمرين متضاربين متعارضين، ولكنهما متكاملان، يعزز أحدهما الآخر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا