النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10756 الخميس 20 سبتمبر 2018 الموافق 10 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

تسييس المنــــابــــــر.. مــــــا الحـــــل؟!

رابط مختصر
العدد 8923 السبت 14 سبتمبر 2013 الموافق 8 ذو القعدة 1434

الآية الكريمة 18 من سورة الجن نصت بشكل جلي وقاطع على “وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحداً” لكن خطباء ودعاة “الإسلام السياسي” ومن تعاطف معهم، يدعون ـ في المساجد - لأحزابهم ولأنصارهم ولطروحاتهم السياسية، اتخذوا من “بيوت الله تعالى” منابر “مجانية” للدعاية الحزبية، وزجوا بها في ساحة “معترك الخلاف السياسي” وحولوها إلى “منابر” لتأجيج الطائفية والمذهبية والحزبية الضيقة وتعميق الكراهية وزيادة الفرقة والانقسام وإفساد ذات البين بين أبناء المجتمع الواحد وبين المجتمعات الإسلامية، تحولت منابر بيوت الله تعالى إلى منابر للشقاق والتحزب والتفرق والصراع والفتنة والتحريض، وذلك إنحراف كبير وخطير عن الوظائف الأساسية والأهداف السامية لمنابر بيوت الله تعالى، كونها “منارات” للهدى والنور والسكينة والطمأنينة والأمن النفسي والارتقاء الروحي و”منابر” لجمع كلمة المسلمين وبث التراحم والتسامح وإصلاح ذات بينهم، ورغم ما تبذله وزارات الأوقاف والشؤون الإسلامية والقائمة على رعاية بيوت الله تعالى في كافة الدول العربية من حرص على صيانة المساجد وابعادها عن الخلافات المذهبية والسياسية، ومن عناية على أن تبقى بيوت الله تعالى في مسارها الصحيح مخصصة للدعوة والإرشاد والكلمة الجامعة بعيداً عن المزايدات السياسية والمعارك الحزبية والتدخل في شؤون الدول الأخرى، إلا أن الأمر فوق طاقتها في ظل الصراعات السياسية التي تعصف بالمجتمعات العربية في أعقاب ثورات الربيع العربي ووصول الإسلاميين إلى سدة الحكم، لا تستطيع الجهات المسؤولة عن رقابة المسجد من ملاحقة الخطباء الذين ينتهكون حرمات بيوت الله تعالى للاستغلال السياسي والحزبي، جهود وزارات الأوقاف والشؤون الدينية، مقدرة، لكنها حتى الآن لا توفر ضمانات كافية لحماية المساجد من التوظيف السياسي والمذهبي والحزبي، انتهاكات حرمات بيوت الله تعالى للتوظيف السياسي، مستمرة في كافة المجتمعات العربية ولكن على درجات متفاوتة، تضيق وتتسع تبعاً لهيمنة ونفوذ تنظيمات الإسلام السياسي على المجتمع والدولة، وهذا ما لحظناه بوضوح عقب ثورة 25 يناير في مصر، حين عمدت التيارات الإسلامية على فرض هيمنتها على المساجد واستثمارها في الدعايات الانتخابية لمرشحيها مع تشويه منافسيها.. إذن ما الحل؟ هناك من يرى ضرورة اصدار قانون بحظر وتجريم تحويل المنابر واستغلالها في الامور السياسية ومعاقبة الخطباء المخالفين كحل لهذه القضية، ولكن الحاصل حتى الآن، أنه حتى في الدول التي أصدرت مثل هذا القانون، لم تتمكن من تطبيقه بشكل فعال، لأسباب عديدة، ولعلنا نتذكر كيف تحدى الشيخ المحلاوي – خطيب مسجد الاسكندرية – قانون حظر استغلال المساجد للدعاية الانتخابية وتبجح قائلاً: نحن لا نعترف بهذا القانون، ومن حقنا أن نستخدم مساجدنا في أمور نراها تعود بالنفع على المسلمين! تصوروا كيف يجعل بيوت الله تعالى، مساجد خاصة به وبجماعته! وكيف يستغل منابرها ويحولها إلى منابر سياسية خاصة بآرائه السياسية ويفرضها على الناس؟! وصحيح أنه في الرياض تم توقيف إمام سعودي دعى في خطبة الجمعة على وزير الدفاع المصري عبدالفتاح السيسي بقوله “اللهم اجتث بشار والسيسي” بعدما تدخل أحد المصليين واشتبك معه في عراك، وفي الكويت تم ايقاف أحدهم عن الخطابة بسبب تجاوزه “ميثاق المسجد” الذي يقضي بمنع الخطباء من إقحام المنابر في الأمور السياسية والداخلية والخارجية، وكان الإمام الموقوف قد تحدث بما يسيئ إلى علاقة الكويت بمصر، ولكن هذه المعالجات غير كافية ولن تقضي على ظاهرة “اختطاف المساجد” واستباحة منابرها للأهواء السياسية والأغراض الحزبية الضيقة، لا يمكن مواجهة هذه الظاهرة بمجرد احكام رقابة وزارات الأوقاف على المساجد والتأكد من التزام الخطباء بميثاق المسجد وتسجيل خطبهم لمتابعة أدائهم وتقيمه، وحتى القانون الذي يحظر استغلال المساجد في الأمور السياسية، ليس حلاً ناجعاً، إننا بحاجة إلى رقابة مجتمعية فاعلة، لحماية بيوت الله تعالى وإبعادها عن الخلافات السياسية والمذهبية، لابد من رفع وعي المجتمع وترسيخ قناعته بأن بيوت الله تعالى يجب أن تكون بمنأى عن خلافاتنا السياسية والطائفية والمذهبية، يجب تضافر الجهود المجتمعية والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني كافة للتوافق على “ميثاق شرف” مجتمعي، في أن تظل بيوت الله تعالى، بيوتاً للعبادة والصفاء والسكينة والارتقاء الروحي، بحيث يكون الرأي العام المجتمعي هو الحصانة والمناعة القويتان ضد المتجاوزين المستبيحين لحرمات المساجد في الأغراض السياسية، فالدولة والجهات المسؤولة لن تستطيعان ـ وحدهما - منع من تسول له نفسه من الخطباء الأيدلوجيين من اختطاف المنابر، لن تنتهي ظاهرة اختطاف المنابر واستباحة المساجد، طالما أن هناك قطاعاً مجتمعياً مؤيداً لتسييس المنابر الدينية، ومعجبا بالخطباء الذين يخوضون في قضايا سياسية ومذهبية من على المنابر، تحت حجج واهية ومبررات مضللة، يبثها فقهاء ومشايخ الإسلام السياسي من أن “من لم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم” وأن الإسلام “دين وسياسة” وأنه ليس “ديناً روحانياً لا علاقة له بالسياسة كالمسيحية” هذه الحجج الزائفة يروجونها لإقناع الجمهور بحسن عملهم في اقحامهم بيوت الله في العمل السياسي، ولكنها من قبيل الحق الذي يراد به الباطل، فنحن نؤمن حقاً بأن ديننا لا ينفصل بقيمه وتعاليمه عن شؤون المجتمع والدولة، ونحن نؤمن بأن من لم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم، كما نؤمن بأن على الخطيب أن يعالج قضايا المجتمع العامة، كل هذه الأمور مسلم بها، ولكن الإسلام الذي دعا إلى الاهتمام بأمور المسلمين هو نفسه الذي دعا إلى تقاربهم وتوحيد كلمتهم وتعاونهم وإصلاح ذات بينهم، لا أن توظف منابر المساجد فيما يفرقهم ويثير الفتن بينهم ويعمق الانقسام في صفوفهم كما يفعل دعاة ومشايخ الإسلام السياسي في توظيفهم الانتهازي للمنابر الدينية والمسيئة لبيوت الله تعالى، الإسلام الذي يحتجون به هو القائل “أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة” وما يفعله هؤلاء بعيد كل البعد عن هذا التوجيه القرآني إذ كيف يكون تأجيج الخلافات المذهبية وإثارة النزاعات السياسية وتهييج الجماهير ودفعها للتظاهرات وقطع السبيل والتخريب والتدمير والتحريض على العنف، أمور يقرها الشرع الحنيف؟! المساجد، بيوت الله تعالى، وليست ملكاً لجماعة أو حزب سياسي أو خطيب ديني، فبأي حق يعتدي هؤلاء على حرمة وقدسية المساجد؟! بأي حق يحول خطباء الإسلام السياسي منابر بيوت الله تعالى إلى منابر سياسية خاصة يبثون من خلالها آراءهم الشخصية، يحرضون ويخونون ويكفرون ويشوهون ويهيجون الجماهير ويفسدون ذات البين ويسيؤون إلى العلاقات؟! ختاماً: لن تستعيد مساجدنا هدوءها وسكينتها وأمنها ووظائفها الأساسية، إلا إذا تمكنا من تفكيك “الحواضن الاجتماعية” لظاهرة إختطاف المساجد وتحويلها أبواقاً لنشر أيدلوجية الإسلام السياسي، لتعود مساجد لله وحده، تدعو إليه بالحكمة والموعظة الحسنة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا