النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10761 الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 الموافق 14 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

البكاء بين يدي ديمقراطية مصر

رابط مختصر
العدد 8902 السبت 24 أغسطس 2013 الموافق 17 شوال 1434

قد نتفهم المبررات المصلحية لحكومات وقفت متذبذبة أمام نتائج ثورة 30 يونيو ورأت في عزل الرئيس مرسي على يد الجيش «انقلاباً عسكرياً» لكني لم أستطع تفهم مسوغات كتاب ليسوا من الإخوان، يقولون انهم غير متعاطفين معهم لكنهم ضد الانقلاب على الشرعية بحجة الخوف على الديمقراطية من حكم العسكر! دعونا نتعرف على دوافع الحكومات التي وصفت ما حصل بمصر بالانقلاب العسكري ومارست ضغوطاً سياسية على الحكومة المصرية من أجل إيجاد مخرج سياسي للإخوان، أولاً: هذه الدول رتبت استراتيجيتها على بقاء الإخوان في السلطة لمدة طويلة لتأتي ثورة 30 يونيو وتربك حساباتها. ثانياً: أمريكا استثمرت في توظيف الإخوان مالياً واستراتيجياً وسياسياً، فهم مشروعها الجديد للعقود الثلاثة القادمة بالمنطقة طبقاً لإبراهيم عرفات، لاعتقادها بقدرة الإخوان على ضبط حماس ومنعها من ضرب إسرائيل بالصواريخ، وهو ما تم فعلاً في عملية «الرصاص المصبوب» حيث قبلت حماس بالشروط الإسرائيلية وتحول قطاع غزة إلى جوار آمن لإسرائيل، بل يذهب جوج سمعان إلى أبعد من ذلك إذ يرى أن واشنطن عولت على الإخوان لإعادة ترميم المشروع الإسلامي كأساس لنظام إقليمي يشكل سداً منيعاً امام نفوذ إيران والصين والروس. ثالثاً: «المزاج الغربي» عادة أميل إلى من هم في المعارضة من السلطة، بحكم الموروث التاريخي والتعاطف الإنساني، ويتوجس من أي تدخل للجيش في الحياة السياسية ويتمسك بـ»الصندوق الانتخابي» معياراً للديمقراطية ومعبراً عن الإرادة العامة للشعب، وثورة 30 يونيو أدخلت الخلل على هذا النظام الديمقراطي وأعادت إمكانية ممارسة «الديمقراطية المباشرة» في الشارع والميدان وليس عبر «الصندوق» طبقاً لناصر أمين، أستطيع تفهم هذه الاعتبارات في إطار المصالح السياسية بين الدول والتي تجعل من عدو الأمس صديقاً اليوم، فمن كان يتصور أن الإخوان الذين قامت عقيدتهم السياسية على قاعدة محورية ثابتة «معاداة الغرب وأمريكا» يصبحون اليوم أصدقاء للغرب وأمريكا ويطلبون تدخلهما لاستعادة السلطة، حتى ان صفوت حجازي يصرخ من منصة رابعة: نعم سنستدعي أمريكا وغير أمريكا لاستعادة الشرعية! الآن: كيف يبرر كتاب مواقفهم الرافضة بأن ما حصل في مصر إرادة غالبية الشعب المصري بقولهم انه انقلاب عسكري على الديمقراطية ثم يتهمون القوى المدينية بأنها خانت مبادئ الديمقراطية بتأييدها العسكر؟! يتحسر هؤلاء على ديمقراطية مصر ويرون في تدخل الجيش إلغاء لـ «مدنية الدولة لصالح طبيعتها العسكرية» كما كتب بعضهم، وهو بذلك يلغي «أهم مكتسبات ثورة 25 يناير» وأن الجيش لم يسقط الإخوان فحسب، بل وأسقط «الإخوان الليبراليين» ويضيف بعضهم: لقد سقطت الليبرالية في مصر، ويتهمون القوى المدنية بالفشل لأنها استعانت بالجيش ويتكلمون عن صراع العسكر والإخوان على «جثة الديمقراطية» ليبلغ التشاؤم بحازم صاغية فيقول: إن مجتمعاتنا لا ينتج إلا الجيش والإسلام السياسي، وإذ لا أشكك في مصداقية هؤلاء الكتاب وفي نبل مقاصدهم وأتفهم مخاوفهم على الديمقراطية من حكم العسكر إلا أني أرى أن رؤيتهم جزئية لا تحيط بأبعاد المشهد السياسي المصري كاملة، فهم يغفلون تماماً أن هذا التدخل من الجيش، مسنود بدعم شعبي واسع تمثل في ثورة 30 يونيو بخروج ملايين في مشهد غير مسبوق، نراهم يقللون من أهمية هذه الثورة بالتركيز على دور الجيش أو يرون أن الجيش هو الذي حرك هذه الجماهير كغطاء لتدخله لا العكس، يصور هؤلاء ما حصل بمصر بأنه صراع بين الإخوان والجيش، مستبعدين دور الشعب ومؤسسات الدولة فيه، ومن ثم يحاولون الإيحاء بأنهم محايدون بين الطرفين وينشدون الحق والحقيقة ويتهمون الكتاب الذين لا يقفون موقفهم بالانحياز لطرف ضد آخر، رافضين رؤية الصورة كما نراها نحن صراعاً بين جماعة الإخوان من جهة، والجيش والشعب والدولة ومؤسساتها من جهة أخرى، ولذلك ينعون على المصريين استعجالهم التخلص من حكم الإخوان بحجة أنه ينبغي عليهم الصبر حتى يتم الإخوان مدتهم! في تصوري أن مواقف هؤلاء الكتاب قائمة على مجموعة من الأساليب الهشة والتصورات الموهومة، وأوضح ذلك فيما يأتي: 1- لو لم يهب المصريون لتخليص أنفسهم من الحكم الإخواني، لاستحالة زحزحة الإخوان بعد استكمالهم خطة «التمكين» وإدخال كافة مؤسسات الدولة «بيت الطاعة» الإخواني، وبخاصة بعد تغيير المناهج الدراسي وتدجين الإعلام وتطعيم الأزهر بعناصر إخوانية وتغيير طبيعة الدولة المدنية. 2- لو أمهل المصريون الإخوان مدة أطول لتحولت مصر إلى دولة أخرى من حكم «ولاية الفقيه» ولكن بنكهة سنية، ولتعذر إزاحتهم لا بانقلاب عسكري، لأنهم يكونوا قد طوعوا الجيش، ولا بصندوق انتخابي، لأنهم يكونوا حين إذن قد عبثوا بالنظام الانتخابي لصالحهم. 3- إذا كان الإخوان وهم لم يمكثوا في الحكم إلا سنة، اليوم بهذا العنف والضراوة والترويع للمجتمع والدولة التي اضطرت لفرض حالة الطوارئ، فكيف تكون الحال إذا طال بهم المقام؟! 4. «المفهوم الملتبس للشرعية» الشرعية مصدرها الشعب، والشعب الذي سبق وأسقط نظام مبارك هو نفسه الذي أسقط حكم الإخوان، وسانده الجيش، ومن حق الشعب الذي منح الشرعية، أن يسحبها، والشرعية إنما تقوم أساساً على رضا غالبية الشعب، ولا تغني «الشرعية» الممنوحة عبر «الصندوق» شيئاً، إذا كان غالبية الشعب رافضة للحاكم، وطبقاً لسليمان الهتلان: لا يمكن أن تسلمني رخصة القيادة ثم انطلق بكل تهور حتى إذا استوقفوني صرخت فيهم: اتركوني وشأني، ألستم من أعطاني الرخصة؟! ديجول لما رأى تراجع شعبيته، لجأ إلى الاستفتاء فحصل على 51% لصالحه لكنه استقال لأنه رأها غير كافية لإعطائه الشرعية، فكيف بحاكم استعدى الجميع؟! 5- «الانقلاب على الشرعية» يقولون نحن ضد الانقلاب على الشرعية ويتناسون أن الرئيس فقد شرعيته منذ إصداره «إعلاناً دستورياً» 21/11/2012 حصن قراراته وأفعاله وأحكم قبضته على الرئاسة والحكومة والتشريع وحنث في قسمه أمام الجماهير وتراجع عن تعهداته للقوى المدنية وأصدر دستوراً ثيوقراطياً يقوم على تفسير المرشد الفقيه. 6- «فوبيا الجيش» تتملك البعض مخاوف كثيرة من عودة حكم العسكر المرعب، ويتناسون أن دور الجيوش الوطنية في سياق الثورات الراهنة يختلف عما سبق في الستينيات، إذ هي الضامن والحارس لعملية الانتقال الديمقراطي كما حصل في ثورتي تونس ومصر كما يقول بشير عبدالفتاح، إذ لا مخاوف اليوم من استيلاء الجيش على الحكم لأن هناك مناخاً عالمياً يمنع الجبوش من أن تلعب دوراً سياسياً كما ان الحريات والحقوق أصبحت خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه وأيضاً فإن كافة القوى المدنية المصرية تعي أخطار وصول الجيش للحكم وتتصدى له كما يقول أكرم البني، وفي الحالة المصرية بالذات فإن التدخل جاء استجابة للإرادة الشعبية ولم يحتفظ الجيش بالحكم لحظة بل سلمه فورا لإدارة مدنية ملتزمة بخارطة طريق. 7- «فخ الصندوق» الديموقراطية ليست مجرد انتخابات و»الصندوق» مجرد آلية حديثة معبرة عن إرادة الشعب لكنها لا تلغيها، والتمسك بالصندوق رغماً عن رضا الغالبية «فخ» وقف فيه هؤلاء الذين يرددون في تعنت: من جاء بالصندوق يذهب بالصندوق! في تكرار معيب لتجربة هتلر الكارثية إذ جاء بالصندوق الانتخابي وبقي 12 عاماً لكنه كان وبالاً على وطنه والعالم أجمع، جوهر الديمقراطية «رضا الناس» بدليل أن هانك العديد من الحكومات لم تأت عبر الصندوق لكنها تستمد شرعيتها من قبول شعوبها بها. 8- «توهم الحياد» هؤلاء الذين ينطلقون من موقع الحياد بين طرفي النزاع في المشهد المصري ويتهمون الآخرين بعدم الحيادية، إنما ينطلقون من توهم خاطئ لطرفي الصراع حين يحصرونه بين الجيش والإخوان، وهو في الحقيقة صراع بين الدولة ومؤسساتها وغالبية شعبها من جهة وجماعة الإخوان كطرف سياسي متمرد لا يريد الاعتراف بالدولة من جهة أخرى، فالحياد -هنا- موقف غير عادل وغير مقبول لأن الطرفين ليس سواء ولأنه لا يتصور حياداً في قضية أحد طرفيها الشعب. ختاماً: لقد كان الإخوان فيما مضى، في صدام مستمر مع السلطات السياسية المتعاقبة في العهدين الملكي والجمهوري، وكسبوا تعاطفاً شعبياً واسعاً، لكنهم اليوم في صدام دموي مع الشعب المصري بكافة أطيافه وطوائفه ومع الدولة المصرية وجيشها، وهذا أفقدهم الرصيد الشعبي الذي اكتسبوه سابقاً.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا