النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10812 الخميس 15 نوفمبر 2018 الموافق 7 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:34AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

ربيع العربي.. ما له وما عليه

رابط مختصر
العدد 8895 السبت 17 أغسطس 2013 الموافق 10 شوال 1434

اجتمعت نخبة مفكرة طيبة من انحاء العالم العربي كله، في مهرجان القرين الثقافي التاسع عشر في الكويت، ما بين 15-13 يناير 2013 ، لمناقشة «ارتدادات الربيع العربي»، او بمعنى آخر التحاور حول «ربيع العرب.. ما له وما عليه»! كانت التحولات الكبيرة في العالم العربي موضع اهتمام مهرجان القرين السابق كذلك، قبل عام: «الواقع العربي الجديد: تأصيل واستشراف»، ولا استبعد استمرار اهتمام الباحثين والمثقفين بما جرى.. لفترة قد تطول. هل ما حل بنا ربيع أم خريف أم شتاء؟ لعل مناخ الكويت أو طقسه يسعفنا في توضيح ما جرى ففي نهاية الربيع، أسابيع تتعرض فيها الكويت لتقلبات مناخية شديدة التناقض، ففي موسم يدعى «السرايات». فقد يكون الجو حاراً مشمساً أو رطباً غائماً او غير ذلك، ثم سرعان ما ينقلب اتجاه الريح، وتكفهر السماء ويتزايد البرق والرعد وينهمر المطر الذي قد يكون شديداً، وربما ينزل الكثير من «البَرَد» أو كريات الثلج الصغيرة حتى يتكدس هنا وهناك وتنخفض درجة الحرارة، وربما يهب الغبار رغم المطر، وينتشر «الطوز» فتضعف الرؤية بتأثير الغبار، وبما يسبق الغبار والطوز المطر.. وربما يسود جو ربيعي جميل! وهكذا تتاح للكويتيين والمقيمين بها معايشة عدة فصول في يوم واحد. وربما كانت التحولات التي نعايشها اليوم في مرحلة تشبه في بعض تفاصيلها هذا الموسم. لا أريد ان أرصد هنا كل التفاصيل، فهذه يمكن الوصول اليها عبر الصحف والمواقع الالكترونية، ولكني سأتناول بعض ما أرى انه جديد بالرصد والمتابعة.. من هذه الندوة السنوية التي يشرف عليها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب. ان أول واهم ما اثار قلقي في هذه الثورات والتحولات العربية انها لم تقترب حتى الآن من عصب النهضة ودرب التقدم الصحيح، كما رأينا في التجارب الآسيوية مثلاً، وهو التعليم. التعليم بابعاده السياسية والاقتصادية لا الثقافية والتربوية فحسب. وفي اكثر من دولة عربية دخلت التجربة في صراعات ومناكفات سياسية ودينية وقانونية، ولم يلتفت احد الى القوة التي فجرت الأحداث، وهم الشباب وهمومهم الكبرى من بطالة ومسكن وخدمات وغير ذلك. بل ان القوى الاسلامية التي عارضت بعض هذه الثورات لاسباب مختلفة هيمنت عليها بهذا الشكل او ذاك، وصارت توجهها في مسارات الاصولية الدينية، وتسبح بها في بحر اولوياتها. ولعل اسطع مثال على ذلك اسراع المسؤولين الليبيين الجدد الى «تحريم الربا» و»السماح بتعدد الزوجات» وغير ذلك، أمام اندهاش وحيرة كل من يعرف الاولويات في ليبيا، بعد اربعين عاماً ونيف من حكم الطاغية معمر القذافي. او مصر التي يتبارى فيها الاخوان المسلمون والجماعات السلفية وشيوخ الدين المتشددون على الامساك بدفة ثورة 25 يناير وبنود الدستور ومستقبل البلاد. ولما كان الاسلاميون كما هو معروف ومطروق، ممن لم يعرفوا بالتسامح في قضايا المرأة والاقليات والحريات الفكرية والاجتماعية، فقد استمر التوتر في الانظمة الجديدة، حتى بات الصراع الطائفي وضيق الأفق المذهبي ما يهدد نجاح الثورة السورية، واستمر القلق نفسه في مصر، ولا نعلم بما سيحدث بين اهل السنة والزيدية في اليمن! وكانت مشاركة المرأة في كل مكان من هذه الدول كبيرة، وحتى في اليمن القبلي المحافظ نالت السيدة «توكل كرمان» جائزة نوبل العالمية تقديراً لدورها القيادي. ولكن نضال المرأة لم ينعكس بوضوح في النتائج، كما ان هيكل مجتمعات «الربيع العربي» سيبقى ذكورياً ربما لفترة طويلة! ان الجماهير من رجال ونساء تريد التغيير والتقدم في هذه البلدان، ولكنها لا تعي جيداً خطورة الاسلام السياسي واحزابه ومفاهيمه وشعاراته عليها. ولهذا نراها في مسعاها تحرك للاسف مصالح هذه الجماعات، دون قصد، وتحرك احجار رحاها، وتصب الماء كما يقال في طاحونتها! وكم تمنيت ان تتفهم جماهير الربيع العربي دروس الثورة الايرانية 1979، ولا تصدق كل الشعارات التي يرفعها الاسلاميون ويغزون بها عقول الناس في شمال افريقيا ومصر والاردن واليمن.. ولكن هيهات. كان بين المتحدثين المشاركين لحسن الحظ القيادي السابق في جماعة الاخوان المسلمين الاستاذ ثروت الخرباوي، المحامي والكاتب المعروف، الذي شارك في الدفاع عن الاخوان في كل القضايا التي حوكموا بها بدءاً من قضية سلسبيل عامي 1992-1993، الى القضايا العسكرية من عام 1995 الى عام 1999، حيث شهدت القضية الاخيرة خلافات كثيرة بينه وبين الاخوان، سجل احداثها في كتابة «قلب الاخوان» حيث ترك الجماعة عام 2002، ومن كتبه «سر المعبد» الذي وجد اقبالاً جماهيرياً واسعا. وقد عرضنا مجموعة من افكاره في مقال سابق، حيث حذر من خطورة الجماعة التي انفصل عنها، واعتبرها في مقابلة صحفية «من أخطر الجماعات التي مرت على الامة الاسلامية عبر تاريخها». من الافكار التي استوقفتني بين ما طرحه بعض المحاضرين تنبيه احدهم الى ان هوية المواطن في بعض الدول العربية قد تكون «مُركّبة»، بعكس ما نتمنى في فكرنا الوطني او القومي او الديني، بمعنى شعور الناس بانتماءات مذهبية او دينية او مناطقية او قبلية اوعرقية او غير ذلك. ولكنها تجمع على الانتماء الوطني، فالكثير من اللبنانيين مثلا ينتمي الى طائفة ما، ودين، ومنطقة، وحزب، وقومية ربما أرمنية مثلا أو كردية أو تركية، ولكنه مواطن يشعر بلبنانيته رغم كل هذه المكونات في شخصيته ومشاعره. ولربما كنا بحاجة ماسة لان ندرس هذه الحقيقة بإمعان، وبخاصة في دول الشام والعراق والمشرق العربي، حيث نبدي تخوفنا الشديد على «الفسيفساء العربي» و»المخططات الشرق – أوسطية»، ولكننا لا نفعل الا القليل لمعالجة الوضع، بل ان مكتباتنا التجارية والجماعية وبعض مقررات كليات الشريعة تزخر بكتب تكفر الشيعة والدروز، الى جانب «تفسيق» العلمانيين والليبراليين! كان بين المشاركين السيد «أرشد هرموزلو»، من الجمهورية التركية، وصاحب الكثير من المؤلفات السياسية والتاريخية ويشغل حاليا منصب كبير مستشاري رئيس الجمهورية في قضايا الشرق الأوسط. وقد ابدى استياءه من ان الكثير من المتحدثين يبدون انتقادات وجيهة لبعض الاوضاع ولا يقدمون اي حلول. وقال ان على العرب الا يستعجلوا، فما يرونه في تركيا اليوم ليس وليد اليوم بل نتيجة تجارب ومحاولات وانقلابات على مدى اكثر من ستين سنة، أعدم الاتراك خلالها احد رؤساء وزرائهم! ومن الافكار الجديرة باهتمامنا مما ورد في حديثه قوله بانه «لا توجد دولة فقيرة واخرى ثرية. هناك دولة تنعم بإدارة جيدة، واخرى تعاني من سوء الادارة». ولو تأملنا ما يقوله الاستاذ «هرموزلو» لرأينا فيه الكثير من الصواب. فكم من موارد وثروات اضاعتها الادارة السيئة، وكم من موارد وثروات تراكمت بحسن التخطيط. وخير شاهد على هذا تجارب الدول الاسيوية من اليابان الى كوريا الجنوبية الى سنغافورة وتايوان، التي تقف اليوم على قمة دول العالم الثرية والصناعية، دون ان تتمتع بمناجم الحديد والفحم، والذهب والبترول. بل انها هي التي تستورد معظم نفط المنطقة الخليجية ونفط إيران. وتجد كوريا الجنوبية في دنيا، وإيران في دنيا اخرى! اشارة الاستاذ «هرموز لو» تكشف لنا مدى سوء فهمنا لأسس التقدم الاقتصادي والثراء، فما نفهم عادة من ثراء الدولة وتقدم اقتصادها ان تكون غنية بالمال والبترول كدول الخليج وليبيا ثم تصرف على احتياجاتها وتهب موظفيها الرواتب الخيالية وتعتمد على المضاربة العقارية والوكالات التجارية والاعتماد احياناً كثيرة على الاحتكار والفساد. اما النهج الآخر، وهو حسن الادارة، فيحيل الفقر الى عنى والتراب الى تبر وذهب، ويعتمد على العقول والسواعد والبحث العلمي والعمل الجاد والحرص على الابداع والاختراع والانتاج والتصدير، فيقفز المجتمع في سنوات بسيطة ما يستغرق اجيالاً في عالمنا العربي.. ان نجحنا! المشكلة في اعتقادي اننا لا نغفل عن اهمية ومحورية دور نظام التعليم بشكله الانتاجي، الصناعي، التحولي، ان صح التعبير، بل وما لا يقل خطورة، لا ندرك ان «الوقت يسرقنا»، وان المهام في العالم العربي او الاسلامي صعبة عسيرة، وان المنافسين كثر، وان نوعية التنسيق المطلوبة لتحديث التعليم والاقتصاد والثقافة الاجتماعية لا يمكن انجازها باحدى معجزات «كن فيكون». ويبقى سؤال كبير، قبل ان نعرض في مقالات قادمة بعض حوارات ندوة القرين 19، من سيقود عملية التحول او التغيير او الثورة في البلدان العربية؟ هل هي الحكومات الجديدة التي هي في احيان كثيرة نفس الادارة القديمة في ثياب جديدة؟ واذا كان الفرق بين الدولة الفقيرة والدولة الغنية هو «النجاح الاداري»، كما يقول المستشار التركي «هرموزلو»، فما حظنا من النجاح في بلدان الربيع العربي؟ هل هي الطبقة الثرية العربية وكبار المستثمرين والبنوك والشركات؟ فأين تحركها ودورها ونشاطها ومشاركتها؟ هل هي الطبقة المتوسطة والمثقفون والمستنيرون؟ هل هم الاحزاب والجيش وغيرهم؟ هل هم خليط من «الفوضى الطبقية الخلاقة»، والشرائح المتداخلة، والافكار المتقاطعة؟ هل قامت اي «ثورة» في عقول هؤلاء، او أية تحويلات في نفوسهم؟ لقد أبرقت السماء في العالم العربي، وأرعدت، وأمطرت بغزارة، وأرجو ألا نكون قد نسينا نثر البذور!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا