النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10843 الأحد 16 ديسمبر 2018 الموافق 9 ربيع الآخر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    2:29PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

كابـــــــوس

رابط مختصر
العدد 8887 الجمعة 9 أغسطس 2013 الموافق 2 شوال 1434

بحسب علماء النفس فإن الكوابيس التي توصف بأنها الأشد وطأة على الإنسان النائم من الأحلام العادية تحدث لفئتين من الناس، الأولى: وهي فئة أولئك الذين تعرضوا في حياتهم إلى مواقف شديدة الصدمة بالمقاييس الإنسانية. أما الثانية فهي تلك الفئة التي تعرض ناسها لحالات مرضية مستعصية نتج عنها إدمان على تناول الكثير من الأدوية والعقاقير. ولتحليل هذه الأحلام الكابوسية لدى الفئتين العريضتين ظهرت نظريات تأويلية عديدة. وتُعتبر نظرية التحليل النفسي لفرويد من النظريات العلمية المهمة في هذا المجال التي فتحت أبواب دراسة اللا شعور لدى الكائن البشري. أنا كفرد في إحدى هاتين الفئتين جثم عليّ كابوس وقد كان بثقل جبل. وأؤكد للقارئ الكريم بداية أنني لست من الفئة الثانية، ولعل «كابوسي» ترجمة للكوابيس التي تحدث للفئة الأولى وليس الثانية. ولكي أكون أكثر أمانة ودقة في نقل مشهدي الخاص والحصري، فإني أقول بأن الكابوس الذي داهمني لا ينتمي بطبيعة الحال إلى المجال المنتمي إلى حقل التفسير الفرويدي، وإلا لما كنت قد كتبت عنه واحتفظت به سرا لي، وإنما هو ينتمي، تفسيرا، إلى نظرية ترى أن أحلام الكوابيس إنما هي تعبير عن تجارب من الخوف؛ مثل الخوف من الظلام، أو الخوف من السقوط من أماكن مرتفعة، أو الخوف من الحرائق.. وغيرها من الكوارث التي تترك في النفس وشما عصيا محوه. لن أستعجل في البوح عن الكابوس الجاثم على صدري، فلذا أرجو من قارئي الكريم أن يتحملني ويعذرني حتى أوضح له لماذا حسمت في الأمر وقررت بأن «كابوسي» من الفئة الأولى. إنني لم أتعرض في أي يوم من أيام الطفولة والشباب إلى موقف إنساني شديد الصدمة، وذلك بحسب ما تبعث به لي ذاكرتي. وقد يكون التفسير المنطقي لذلك هو سهولة الحياة وسلاستها، وطيب معشر الناس وأريحيتهم في التعامل فيما بينهم. والحديث يدور هنا عن فترة زمنية ذهبية وهي المحصورة بين مقتبل الخمسينيات وطوال سنوات الستينيات والطوالع المبكرة من السبعينيات. وهي فترة ذهبية بسبب ثرائها الاجتماعي قبل أن تشهد البحرين ومنطقة الخليج العربي انزياحات الدفع الطائفي الذي تكفلت به ما سُمَّي بـ»الثورة الإسلامية» في إيران. وأحسب أن من الأسباب التي أعطت الحياة معنى في البحرين في ذلك الوقت هو أنه لم يكن يتطلب منك آنذاك، أيها الإنسان، أن تحمل هموما أو تتعشم الخوض في متاهة التفكير بأن هناك من يضمر لك الكراهية والضغينة؛ لأن الواقع الاجتماعي والمناخ النفسي وقتها كان في صفاء ماء عين عذاري فالسرائر لفرط نقائها لم تكن تملك ما تُخفي. وإذا كان هنالك ما يزيح الغموض ويُفسر الحالة، فإن الظن بعذرية المجتمع الذي كان يحضننا، وبعدم وجود الكيانات الطائفية والمذهبية المشوِهة للواقع هو ظن صحيح مائة في المائة. دعوني أصارحكم أنه بالنسبة إلينا نحن أهالي قلالي فقد كنا نعيش في سلام مع أنفسنا ومع جوارنا الجغرافي. نعم لقد كان ذلك نسق عيش اتصفت به حياة البحرينيين من كافة الطبقات الاجتماعية والمذاهب الدينية، في القرى وفي المدن. لكن وبما أن الحديث يدور عن تجربة شخصية فإن الحديث هنا يدور عن قرية قلالي كمثال. فقد كانت تحكمنا علاقات إنسانية في غاية الرقي والحضارة، وقد سبق لي في مقالات سابقة أن فصّلتُ القول في هذه العلاقات الإنسانية التي كانت تربط أهالي القرية فيما بينهم، وعلاقاتهم بجيرانها في الجهة الغربية -أهالي قريتي سماهيج والدير، أو «بلدتي» الدير وسماهيج كما يطيب لجمعية «الوفاق» أن تطلق عليهما في غضون «الثورة» تقليدا لحزب «الله» عندما يتحدث عن قرى لبنان وريفه- وبجيرانها من الجهة الشمالية أهالي مدينة الحد. ويمكنني إيجاز هذه العلاقات في أنها كانت علاقات تعكس ما اكتسبناه من إرث الآباء طيبةً وتسامحا وقيم عيش مشترك قبل أن تكون هذه القيم «أهدافا» ضائعة في صخب الضجيج المذهبي لدى جمعيات سياسية، أو حقوقية بعينها. إذن، وبعد أن استطردت وأطلت في الحديث عن أمور وجدتها ذات صلة بالموضوع وتخدمه، بات عليّ أن أحدثكم عن الموضوع ذاته، عن طبيعة الكابوس الثقيل الذي جثم عليّ في ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك، والذي لم تستطع كل أعمال العنف والإرهاب التي مارستها الجمعيات السياسية خلاله أن تقلل من فرحة الناس وإيمانها به. الكابوس، وعطفا على ما أسلفت في المقدمة، ينتمي، تفسيرا، إلى نظرية ترى أن أحلام الكوابيس إنما هي تعبير عن تجارب. ويقينا أن كثيرا من التجارب السيئة قد أرغمتنا على عيشها وتجرع كؤوس مرها الجمعيات المذهبية جميعها والجمعيات التي تبعتها في ضلالها، منفردة أو مجتمعة منذ ما يزيد على ثلاثين شهرا. كان يسكنني منذ أن بدأ الحراك الطائفي خوف مما يمكن أن يأتي به بعض ممن ينتمون إلى الجمعيات المذهبية في الدولة ممن كانوا يظهرون ما لا يبطنون، مثل ذينك الوزيرين اللذين أعلنا انحيازهما بدوافع مذهبية لذاك الحراك الطائفي المقيت، ولا أظن أن عدم ذكر اسمهما يعيق القارئ عدم معرفتهما؛ إذ ان اسميهما شائعان مثلما هي شائعة لدى المراهقين تحريضات عيسى قاسم وعلي سلمان. وإذا ما أضفنا إلى هذين الوزيرين مع من كانوا في سلطة التشريع فإن المشهد سيغدو ضاجا بمؤامرة مدروسة تصب مخرجاتها في إسقاط النظام لإعلان «الجمهورية الإسلامية» التابعة للولي الفقيه، وهو ما تم الإفصاح عنه صراحة ذات دوار لعين عبث بكل مواطن الجمال في بحرين الأجداد وأبرز عقوق فئة من أبناء البحرين أغوتها شياطين المتاجرة بالدين ولوت أعناقها أوهام ولاية الفقيه بيسر الظفر بالبحرين غنيمة ستكون بوابة الهيمنة على ما سيتبقى من دول الخليج العربي. إن هذه الصورة وجه كريه من الفزعة المذهبية التي كرست تفاصيلها الأحداث، وطبقا لنظرية التحليل النفسي لفرويد فإن ما كان قابعا لدي في اللا شعور تسلل إلى ما قبل الشعور ليشكل كابوسا ثقيلا جاء في شكل نجاح لأهل المكائد والدسائس والمتاجرة بكل مقدساتنا المشتركة وطنا ودينا، ولم أتأكد من فشلهم ومن أنها أضغاث أحلام إلا حين استيقظت مفزوعا من هول ما شاهدت من تفاصيل في غضون الكابوس أعتذر عن ذكرها. كان كابوسا قصيرا ولكنه نجح في أن يطرح لدي سؤالا لعلني أوجهه إلى كافة الجمعيات المذهبية التي تطلب الأمن للجميع وهو: «كيف للمجتمع أن يبني ثقة في كل الجمعيات القائمة على أساس ديني لتتبوأ مراكز سياسية أو أمنية والحال أنها كافرة بمبادئ المواطنة ومدنية الدولة؟» وكل عام والجميع بخير.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا