النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10756 الخميس 20 سبتمبر 2018 الموافق 10 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

استنقاذ «روح» مصر

رابط مختصر
العدد 8881 السبت 3 أغسطس 2013 الموافق 25 رمضان 1434

يرى المبدع أدونيس في ثورة 30 يوليو، وعياً جمعياً تجسد لأول مرة في العالم، في الشارع، ليعبر عن منهجين في الحياة: الأول: يتخذ من الماضي مرجعية مطلقة ويسعى للعودة إليه والثاني: على عكسه يسعى لبناء عالم جديد، وفي رأيه أن القضية أبعد وأكثر تعقيداً من كونها صراعاً سياسياً على السلطة لأنها متعلقة بالهوية العربية وبالمصير العربي وبطبيعة الدولة المدنية التي أصبحت شأناً تنشغل به الجماهير جنباً إلى جنب مع النخبة المثقفة وذلك لأول مرة في تاريخ العمل السياسي العربي، أدونيس محق في تحليله الدقيق، فالشعوب لا تخرج في تظاهرات وصفت بأنها الأكبر في تاريخ البشرية إلا لأمر يمس هويتها وثقافتها وشخصيتها ومصيرها، خروج المصريين لم يكن كمياً فحسب بل (نوعياً) طبقاً لوحيد عبدالمجيد لأنه شمل كافة الطوائف والطبقات والأجيال حتى الجدات حملن أحفادهن على الأكتاف وأبناء الريف الذين خرجوا بكثافة لأول مرة، خرجوا جميعاً من أجل هدف واحد، استعادة (روح) مصر واستنقاذ (هويتها) خرج 33 مليون مصري يريدون استرداد (روح) مصر الوطنية الجامعة للمسلم والمسيحي والآخرون، خرجوا يدافعون عن (هوية) مصر و(الطبيعة المدنية) لدولتها، خرجوا رافضين تغيير نمط حياتهم وأسلوب معيشتهم الاجتماعية وطريقة تدينهم الخاص، وهذا يفسر: لماذا لم يصبر المصريون على حكم الإخوان عاماً وقد صبروا على من قبلهم أعواماً! كما يجيب على مناشدة الشيخ القرضاوي للمصريين: صبرتم على مبارك 30 عاماً، أفلا تصبرون على مرسي 3 سنين؟! المصريون صبروا على الحكام السابقين طويلاً وكان بإمكانهم الصبر على حكم الإخوان لو لم يستشعروا الخطر الحقيقي على (الهوية) و(الروح) فالقضية ليست في فصيل سياسي استبد باسم الدين وإنما أكبر وأخطر، إنها قضية مستقبل مصر، وثورة 30 يونيو، ثورة من أجل إنقاذ مصر: روحاً وهوية ومكانة ودوراً ومصيراً وطريقة حياة وأسلوب تدين، لا ينبغي للإخوان أن تذهب نفسهم حسرات على ضياع السلطة، فهي يوم لك ويوم لغيرك، ولا ينبغي أن يضلوا أسرى مشاعر المرارة من أن حقاً سلب منهم للدخول في معركة الدفاع عن (الشرعية) حتى الموت واللجوء إلى فتاوى دينية لنصرة الرئيس المعزول وتأثيم الخروج عليه، فهذا عمل سيؤلب الشعب عليهم، إن خسارتهم الكبيرة ليست خسارة السلطة ولكن خسارتهم لقلوب وعقول كانت معهم وأوصلتهم السلطة كما تقول د.ثناء فؤاد عبدالله في مقالتها القيمة بصحيفة القاهرة 23/7، هذا الذي يجب أن يشغل تفكيرهم وعلى قادة الإخوان بعد أن يفيقوا من هول الصدمة أن يكاشفوا أنفسهم في عملية مراجعة صادقة ويتساءلوا: لماذا هذا السخط الجماهيري عليهم، لماذا أصبحوا مرفوضين من غالبية الشعب المصري، لماذا انحاز الجيش الذي تعاون معهم لغالبية الشعب وتدخل ضدهم؟! عليهم أن لا يعادوا الجيش العظيم لأنه تخلى عنهم وانحاز وتدخل، فالجيش لم يتدخل من تلقاء نفسه، وحباً في التدخل للاستيلاء على السلطة، بل اضطر للتدخل وكان لا مفر له من الاستجابة لـ33 مليوناً يطالبون بعزل الرئيس، حفاظاً على الأمن والسلم الاجتماعي، وقال السيسي كلمته المعبرة (نحن لا نستحق الحياة إذا تركنا شعبنا يتعرض للخطر) تدخل الجيش في الحياة السياسية غير مرغوب فيه، لكن العلاج إذا لم يجدِ، تعين التدخل الجراحي، كان على الإخوان ألا يتناسوا أنهم تحت المجهر وأن تصرفاتهم مرصودة من قبل الرأي العام ومؤسسات الدولة التي كانت تراقب خطواتهم المتعجلة لتحقيق (ملحمة التمكين) تقليداً لتجربة الثورة الإسلامية في إيران، ووصل الجميع إلى قناعة بأنهم لو صبروا أكثر فإن الإخوان سيصلون بالبلاد إلى مرحلة يستحيل نزع السلطة منهم، لا بإنقلاب عسكري ولا بالصندوق الانتخابي، وكانت مؤسسة الجيش تراقب محاولات الإخوان غزوها واختراقها بقلق وزاد شكوكها بعد حادث مقتل الجنود الـ16 في رفح، رمضان الماضي، الذي استغله مرسي لإلغاء المجلس العسكري وإقصاء طنطاوي، وبخاصة بعد ما أمر بوقف الحملات الأمنية ضد الجماعات الإرهابية في سيناء وجمد التحقيقات فيها، كما أفرج بعفو رئاسي عن قتلة من الجماعات الإرهابية وسمح لبعض المتورطين في اغتيال السادات بالمشاركة في ذكرى حربه ومقتله وعين محافظاً للأقصر من جماعة نفذت مذبحة السياح الشهيرة في الأقصر، إضافة إلى أن الجيش تحمل كثيراً من تطاولات قادة الإخوان عليه، بصبر مكتوم، وتأكد قادة الجيش أن المصلحة الحزبية للإخوان تسبق المصلحة الوطنية العليا لدرجة التفريط بالأمن القومي المصري، وأن القناعات الأيدلوجية لهم لها الأولوية على مصلحة مصر وشعبها وبخاصة أن الحسابات السياسية لمرسي دفعته لعدم القطع مع الجماعات المسلحة في سيناء، ربما لحاجة في نفسه، أفصح عنها في خطابه الأخير بقوله إن كرسي الرئاسة دونه دماء ورقاب، ولمح إليها البلتاجي حين ربط بين وقف العمليات في سيناء وإعادة مرسي للحكم! كانت مصر (العمود الفقري) لمحور الاعتدال العربي و(أزهرها) الشريف مصدر إشعاع للوسطية في العالم الإسلامي، و(جيشها) العظيم شكل الدور الإقليمي الموازن للأدوار الإقليمية الأخرى، ولكن انحسر نفوذ مصر وشل دورها في عهد الإخوان، ونشطت الأدوار الإقليمية والدولية لتملأ الساحة وتتدخل في الشأن العربي، فات الإخوان أن قدر مصر تاريخياً وجيوسياسياً أن تكون الحاضنة للعرب، الحامية لأمنهم، المحافظة على مصالحهم، بما حباها الله تعالى وهيأها لهذه المكانة، فهي (أرض الكنانة) أي المنع والقوة والمأمن والأم الحامية، ومن منا لم ينصت لحفاظ إبراهيم، درته الرائعة (مصر تتحدث عن نفسها) تشدو بها أم كلثوم، ولم تهتز نفسه تأثراً بمنزلة مصر العالية في نفوس العرب؟! وإذا كان خطأ مبارك محاولته تغيير وجهة الرئاسة، فإن خطأ مرسي والإخوان محاولتهم تغيير (وجه مصر) طبقاً لسمير عطالله، ومحاولة نزعها من عمقها العربي وإضعاف تحالفها الاستراتيجي مع الخليج، طبقاً لعبدالله بن بجاد لحساب محور إسلامي موهوم (مصر، تركيا، إيران) وهذا ما جعل العرب يفتقدون الدور المصري الوازن، ودفع الخليجيين للتوجس من حكم الإخوان، وزاد من شكوكهم أن الحكم الإخواني، طبقاً للرميحي، أبدى عداءً سلبياً في الملف الخليجي من طريقين 1- مغازلة إيران 2- إظهار الشوكة من خلال تنشيط الخلايا النائمة كما حدث في دولة الإمارات المتحدة، وهذا ما يفسر ارتياح الخليجيين لعودة مصر والتي عبر عنها د.الببلاوي رئيس الحكومة (مصر عادت للعرب، وعادت لطبيعتها الأولى التي ترى في دول الخليج سنداً سياسياً واقتصادياً وأمنياً، مصر طول عمرها ترى أن عليها التزامات، وأيضاً تتوقع أن لها حقوقاً على الدول العربية، وهناك مصلحة قومية تفرض نفسها على الجميع) وهذا سر الاحتفاء الخليجي وسارعتهم إلى الدعم والتأييد فهذا الدعم (مصلحة خليجية أولاً) لأن أمن مصر من أمن الخليج واستقرار مصر من استقرار الخليج كما لمصر دين في أعناقنا ولها مكانة غالية في نفوسنا، وطبقاً لعبدالله بشارة فإن الفزعة الخليجية لمصر، هي في الحقيقة فزعة لدورها العقلاني والوسطي وفزعة لدورها الحيوي في محور الاعتدال العربي، وإن دعم مصر والوقوف مع شعبها واحترام اختيارته هو واجب العرب جميعاً، لمساعدة مصر في اجتياز هذه المرحلة لتعود قوية تعاود دورها الــريادي في محيطها العربي. ختاماً: مصـر استردت روحها واستعادت هويتها، والإخوان أخفقوا في فهم طبيعة مصر وطبيعة شعبها فلفظتهم، كأي جسم غريب يرفضه الجسد الصحيح.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا